صنعاء | أعلنت السلطات اليمنية الحداد الوطني ثلاثة أيام بعد خروج نبأ وفاة ولي العهد السعودي الأمير سلطان بن عبد العزيز إلى العلن وأوقفت مختلف القنوات الإعلامية الرسمية برامجها لتقتصر على بث القرآن والنشرات الإخبارية. تصرف ظهر متجاوزاً حتى لبعض الدول الخليجية التي لم تُظهر حالة الحداد على الراحل السعودي كما فعلت السلطات اليمنية.


لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، ليأتي يوم أمس الجمعة حاملاً اطلاق اسم «جمعة سلطان الخير والجوار الحميم» على تظاهرة انصار النظام. وكان من الطبيعي أن تأتي خطبة صلاة الجمعة في «ميدان السبعين» المجاور للقصر الرئاسي حاملة في طيّاتها تأكيد «وفاء اليمن قيادة وحكومة وشعباً لإسهامات الأمير سلطان بن عبد العزيز»، استكمالاً لواجب العزاء الذي أوفد صالح نائبه عبد ربه منصور هادي على رأس وفد رسمي رفيع إلى المملكة لتقديمه. كذلك لم يكن مستغرباً أن يبادر مجلس القبائل اليمنية إلى بعث برقية تعزية إلى الملك السعودي لوفاة سلطان حيث ارتبطت مصالح تلك القبائل معه بنحو وثيق وكان ولاؤها للمملكة أكبر من ولائها لليمن في ظاهرة قلمّا توجد في مكان آخر.
هي مجموعة أفعال قام بها نظام الرئيس علي عبد الله صالح وأتباعه تشير في محصلتها إلى مدى الإرباك الكبير الذي أحدثته وفاة الأمير سلطان، الذي أمسك بالملف اليمني (اليمن الشمالي)، وكذلك شؤون يمن ما بعد الوحدة في العام 1990 وحتى مسمى «اللجنة الخاصة» التي كان من بين مهامها صرف مرتبات ثابتة لعدد غير قليل من كبار موظفي الدولة وكبار شيوخ القبائل الموالين للسعودية وعلى وجه الخصوص منهم القبائل الواقعة على تخوم الحدود السعودية. وقد عمل سلطان من خلال إمساكه بالملف اليمني وبمقاليد «اللجنة الخاصة» التي استطاع عبرها إبقاء أوراق كثيرة هامّة بين يديه ومنها ورقة الدين والقبيلة والحدود بين المملكة واليمن، والتي استطاع عبر ثلاث اتفاقيات تسوية أمرها نهائياً.
لكن، وعلى الرغم من الصورة الجيدة التي بقيت في ذاكرة نسبة من اليمنيين القبليين للأمير سلطان، وذلك بسبب الأموال التي كانوا يتلقونها، فإن غالبية عظمى منهم أعلنت استياءها من الطريقة التي عبّرت بها السلطات عن تفاعلها مع خبر وفاته. وأبدى الباحث حسن مجلي، في حديث لـ«الاخبار»، استغرابه من درجة الاحتفاء الكبيرة التي أظهرتها السلطات اليمنية لوفاة الأمير سلطان الذي «اسهم بنحو كبير في وضع اليمن في هذه الحالة التي بلغتها من التخلف عبر طريق المال السياسي لاستمالة وشراء ذمم القبائل وبقاء الدولة بعيدة عن السيطرة عن مناطق الأطراف، ما أدى إلى كل هذا التخلف الإداري الذي نعيشه اليوم». ويشير مجلي إلى أن الأمير سلطان كان من أكبر المساهمين في إعاقة ثورات اليمن من 26 سبتمبر 1962 وما تلاها من محاولات لإجهاضها.
من جهته، يرى الكاتب علي أحمد الفقيه الأمر من زاوية أخرى، حيث يجد أن نظام الرئيس علي عبد الله صالح لا يبدو مُخيّراً في هذا الاحتفاء المبالغ فيه الذي أظهره حُزناً على وفاة الأمير سلطان بن عبد العزيز الذي ارتبط به ارتباطاً وثيقاً، وكان يمثّل بالنسبة إليه الخيط الأخير الذي يلجأ إليه عندما تتوتر العلاقات السياسية بينه وبين الملك عبد الله وبين الجيل الجديد من العائلة المالكة خصوصاً، والتي ترى أنه قد صار من الضروري إنهاء حالة الارتباط بين نظام المملكة وبين نظام علي عبد الله صالح الذي لم يعد مناسباً للمرحلة المقبلة. ويشير الفقيه إلى أن ما قام به صالح «هو رسالة أخرى إلى ولي العهد الجديد الأمير نايف وهو الملك المُرتقب نظراً للحالة الصحية الحرجة للملك عبد الله، يقول له من خلالها إنه باق على عهده وولائه للمملكة وللأسرة الحاكمة».
لكن مع ذلك يبقى وضع الرئيس اليمني غامضاً خلال المرحلة المقبلة مع دخول الأمير نايف بقوة إلى مجال الملف اليمني الذي من المؤكد أنه سيؤول إليه من بعد الأمير سلطان، وخصوصاً أن الأمير نايف رجل متحفظ وصارم لا يميل إلى العاطفة وينحاز بدرجة كبيرة إلى عدم الانفتاح في كافة المجالات السياسية والدينية، وبالتالي يعمل هذا على تعقيد مهمة صالح أكثر مما هي عليه الآن. بالاضافة إلى أن الأمير نايف كان قد ظهر منحازاً بدرجة أكبر إلى خلق تحالفات جديدة أو تجديد تحالفات سعودية قديمة مع الجيل الجديد من قبيلة الأحمر التي يتزعمها اليوم الشيخ صادق بن عبد الله حسين الأحمر نجل الشيخ عبد الله الأحمر، الذي كان من اكبر الموالين للنظام السعودي، على وجه الخصوص مع وصول ثورة الشباب اليمنية إلى مراحل متقدمة من عمرها وظهور استحالة بقاء الرئيس صالح وأسرته على رأس الجمهورية اليمنية.
وقد وجد الأمير نايف أنه من خلال دعم تحالفه بأبناء الأحمر سيعمل على التحكم بدرجة كبيرة بمسار ثورة الشباب التي ظهر له من خلال جملة إشارات إلى أنها ثورة لن تسير على هوى المملكة بل تسير على خط معاكس لها يهدف إلى خلق استقلالية يمنية عن كافة التبعيات للنظام السعودي التي غرقت فيها خلال حكم الرئيس صالح، وذلك بعدما ظهرت تلك الاستقلالية واضحة من خلال تسمية شباب الثورة لواحد من أيام الجمعة بـ«جمعة رفض الوصاية» في إشارة مُبطنة إلى المملكة السعودية والإدارة الأميركية، وهو ما دفع بالأمير نايف بن عبد العزيز إلى الاتصال باللواء علي محسن الأحمر محتجاً. وكل هذا أظهر تصريحات تقول إن انضمام أبناء الشيخ الأحمر إلى الثورة لم يكن سوى بأوامر سعودية صريحة لعل هذا الانضمام يعمل على كبح جماح هذه الثورة على الأقل في ما يخص الشأن السعودي، بينما يصار إلى ايجاد شخص يمكنه أن يكمل مهمة السيطرة السعودية على الشأن اليمني غير علي عبد الله صالح.