مجموعة كبيرة من الشباب التونسي فرّت من ظلم نظام زين العابدين بن علي ومن قبله الحبيب بورقيبة إلى لبنان، حيث وجدت لها ملاذاً لإكمال الدراسة والعمل. لكن المفارقة هي أن هؤلاء الشباب ليسوا جميعاً راضين عن الحقبة التي دخلت فيها تونس حالياً، حيث الغلبة لحركة النهضة الإسلاميّة ولبعض رجالات النظام السابق. فتحي فارس، طالب دكتوراه في الفلسفة، يساري سابق توجّه نحو التشيّع، فأصبح لديه هاجس من تسلّط الإسلاميين السنّة، ولا سيما بعد تصريح لزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، ميّز فيه بين الشيعة والإسلاميين، بقوله لصحيفة «الصباح»: «في تونس إسلاميون وعلمانيون وشيعة».


الشاب الأربعيني لا يرى أي تغيير في بلده بعد فرار الرئيس المخلوع. لذلك، لا يزال متردداً في العودة إلى بلده، حيث «الأولوية في توزيع العمل هي للشباب الموجودين هناك لا الوافدين من المنافي».
أما شعارات حركة النهضة الانفتاحية والمعتدلة، فلم تغيّر من موقفه بأن «السلفية هي الوجه الآخر لحركة النهضة». وفي الوقت نفسه «هناك تيار داخل الإسلاميين لا مشكلة له مع الأميركيين ويجد قضية الصراع مع إسرائيل ثانوية».
الصحافي التونسي منصف بن علي قد يكون أكثر حدة؛ ففي رأيه أن لا تغيير حصل في بلده لأن «الأجهزة نفسها والشخصيات لا تزال من بقايا نظام زين العابدين بن علي وسلفه الحبيب بورقيبة، هؤلاء يحاولون محاصرة التغيير والالتفاف على الثورة لتدجينها».
فالسلطة في نظر بن علي «صنعت هيئات هي مجرد أشخاص لا يمثلون إلّا أنفسهم وصوتهم ضعيف، فقد فرضت الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة على التركيبة الحالية أحزاباً كانت تدور في فلك سلطة بن علي. وهذا ما جعل الأحزاب والتيارات التي شاركت في صنع الثورة أقليّة ومهمّشة، حيث لا تتعدى 15 في المئة (تحالف 14 جانفي والاتحاد العام التونسي للشغل والنقابات)».
أما حركة النهضة، فهي ـــــ حسب قول بن علي ـــــ «لم تكن مؤثّرة في الثورة بحسب اعتراف قادتها، وقد أدت دوراً سيئاً، فبدلاً من أن تقاطع التشكيلات في السلطة سارعت إلى حجز مكان على المركب بنحو غير مبدئي». حتى «الاتحاد العام للشغل تهافتت قيادته على السلطة ودخلت في مساومات مع رجال النظام، لإجراء تغييرات وفق ما يراه النظام نفسه». يضيف أنّ «ثمة مشكلة في الشخصيات التي تعمل بنحو جمعياتي؛ فهي تشتغل على الطريقة الأميركية والأوروبية».
وبسبب الصراع السياسي الذي شاب المرحلة السابقة لجهة فرض رئيس الهيئة العليا جدول عمله الخاص وطول المدة التي فصلت بين رحيل بن علي وإجراء الانتخابات والاختلاف بشأن مهمات المجلس التأسيسي وما إذا كان له سلطة تشريعية أو فقط كتابة الدستور الجديد، يرصد الصحافي التونسي تململاً بين الشعب جعله غير متحمس للتوجه إلى صناديق الاقتراع، وأن التظاهرات غابت في الفترة الأخيرة. «لذلك، لم تتجاوز نسبة المشاركين في الانتخابات أكثر من 50 في المئة، فمن أصل سبعة ملايين وثمانمئة ألف يحق لهم التصويت، لم يقترع سوى ثلاثة ملايين وسبعمئة ألف تونسي». أما المشكلة، فهي أن «النظام الذي أتت به الاستخبارات الأميركية قد ضحّى بالرئيس بن علي وظل حاكماً، رغم أنه شريك في الفساد، تماماً مثلما حصل مع الرئيس السابق بورقيبة عام 1987».
ويتهم بن علي حزب النهضة بترويج الإسلام القطري الأميركي المعتدل، مشيراً إلى أنها ظاهرة يجري العمل على تعميمها. ويتحدث عن لقاءات بين قادة النهضة ومسؤولين أميركيين في تونس وواشنطن، التي زارها الأمين العام للنهضة محمد الجبالي ولم يُفصح عن مضمون محادثاته هناك مع المسؤولين الأميركيين حتى الآن. ويرى الصحافي التونسي المقيم في لبنان أن تسلم الجبالي لرئاسة الحكومة جرى بمقايضة مع بقايا النظام السابق.
وتحدث عن البدء بتأسيس «جبهة الأغلبية الرافضة التي ستواجه السلطة التونسية المقبلة».
بدورها، السيدة لمياء، المتزوجة بلبناني والمقيمة في بيروت، لا تجد تغييراً حصل في بلدها الأم: «كل شيء حسب مطالعاتي لا يزال على ما هو عليه. الهمجية أصبحت أكبر والفوضى عارمة ولا يوجد نظام»، مؤكدة أن كل التونسيين في المنفى يرغبون في العودة إلى تونس، لكن إذا حصل تغيير حقيقي.
أما المخرج السينمائي إدريس مليتي، فهو يرى أن «المشكلة ليست ذاتية، فيقول: «إذا كان لديك تفكير أيديولوجي ضد السلطة، أو كنت يسارياً وشيوعياً، فلن تكون في وضع مريح» في تونس اليوم. مليتي تعرض للسجن في لبنان مدة 15 يوماً بإيعاز من سفارة بلاده في بيروت بعد نجاح الثورة، «بسبب أنّا وزّعنا بياناً حذّرنا فيه من حكومة الباجي قايد السبسي الذي وصفناه بالسبسي ـــــ كلينتون».
الواضح أن الانتخابات في نظر إدريس هي «أداة تفجير أخرى؛ لأنها ذات صيغ لا تخدم سوى بعض الأطراف المتنفذين، ولا تصل إلى مستوى الثورة».
نظرة الإسلاميين تختلف عن غيرهم تجاه ما يحدث في تونس، لعلها نظرة مبالغة في التفاؤل تلك التي يعبّر عنها الشاب الإسلامي المقيم في لبنان علي العياشي، الذي يصف الوضع في بلده بعد رحيل بن علي بأنه «مريح»، مشيراً إلى أن من ينتقد هذا الوضع «لديه مرض نفسي ويمثّل حالة نشاز».
ويأمل من الانتخابات التي حصلت الأسبوع الماضي أن تعطي تونس تجربة جديدة، متوقعاً «أن يحصل اندماج بين أحزاب صغيرة وأحزاب كبيرة».
وعن السلفية وتحركاتها ضد الإعلام، يقول العياشي: «هناك تضخيم لحالة السلفية، مع أنها أضعف حالة من حيث العدد. هناك إعلام يحاول تكبير المشاكل». لكنه في المقابل يشير إلى أن حركة النهضة وحزب «من أجل الجمهورية» وحزب العمال الشيوعي لديهم أفضل البرامج.
«فالنهضة لا يطالب بدولة إسلامية وحزب العمال لا مانع لديه من إنشاء مساجد وأن يصلي الناس». لكن الشاب الإسلامي يتوقع أن يخرج الخطاب الرسمي لهذا التيار بعد فترة «أقوى من الخطاب السياسي، ما يؤسس توجهاً سياسياً أشد»، مشيراً إلى أن النموذج التركي لن يكون هو الموجّه لخطاب الإسلاميين، بل على العكس «راشد الغنوشي هو من ساهم في إخراج النموذج التركي الإسلامي على صورته الحالية بحكم علاقاته مع أقطاب إسلاميين من الساسة الأتراك. لكن ليس من الضروري أن تنجح تجربة تركيا في تونس؛ لأن تونس أكثر تجذراً في الإسلام». أما عن سبب تفاؤله، فيبرّر ذلك بالقول: «هناك ضوابط تمنع الانتهازيين من الوصول إلى السلطة».