طرح جوزيف حنا الشيخ، العراقي الثمانيني المغترب من أسرة بصرية امتهنت مقاولات بناء الموانئ عالمياً، مشروع إنشاء جزيرة صخرية كبيرة في خليج الفاو، على حكومة إياد علاوي عام 2004، وذلك بعدما استعانت شركته «بخمس شركات عالمية وعشرات المهندسين لإعداد الخرائط، وحصلنا على تمويل مبدئي من بنك لازار الفرنسي بـ 12 مليار دولار»، على حدّ تعبيره. ويكشف الشيخ أن مفاوضاته مع الحكومة العراقية استمرت حتى 2008، «حتى إنّ رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي عيّن لجنة برئاسة نائبه برهم صالح و6 وزراء ولم نتلقَّ منها أي إجابة». ولأنّ الصمت الحكومي استمر طويلاً، قرّر الشيخ طرح الموضوع على الرأي العام.


باختصار، يقوم المشروع على فكرة تشييد جزيرة صخرية في الجزء العراقي من مياه الخليج العربي، على أن العراق «لن يدفع فلساً واحداً، وسأبني مدينة مساحتها 350 كيلومتراً مربعاً، تمتد داخل البحر بنحو 250 كيلومتراً مربعاً، أُنجزها خلال 3 أعوام بنحو 12 مليار دولار» وفق الشيخ. أما عن الكيفية التي ستشيَّد بها تلك الجزيرة بحسب مشروعه، فإن ذلك سيحصل من خلال «طمر مليار متر مكعب داخل البحر بـ 25 مليون طنٍّ من الحجر»، علماً أن «مخطّطنا لا يتأثّر بميناء مبارك (المتنازع عليه مع الكويت) وهو الحل العملي الوحيد بما أنّه لا الكويت ولا إيران ستكونان قادرتين على خنقه». ويفصّل الشيخ مشروعه القائم على تحويل إدارة الميناء إلى «شركة عراقية مساهمة، ونحن المستثمرين نَمْنَحُ 25 في المئة من أسهمها للحكومة العراقية مجاناً، و75 في المئة يشتريها عراقيون حصراً». ورجّح محللون أن تكون هذه الأرقام هي السبب في رفض المشروع حكومياً، ربما لأنه يمنحها ربع العائدات لا غير، فيما تذهب الأرباح الأخرى إلى المساهمين الوطنيين. غير أنّ محللين آخرين يعتقدون بإمكان التوصّل إلى حلول خلّاقة لهذه المشكلة، عبر دخول الدولة العراقية طرفاً رئيسياً ضمن المستثمرين.
ويسخر الشيخ من المشروع الإيطالي الذي تتبناه الحكومة العراقية، والخاص بإنشاء ما عُرف بميناء الفاو الكبير. ويقول عنه «سينشئون شيئاً يشبه الرصيف مساحته 35 كيلومتراً مربعاً فقط، وسيتضرر من ميناء مبارك الكويتي بالتأكيد لأنه لا يستفيد من العمق البحري». وأوضح أنّ الشركة الإيطالية المكلَّفة بهذا المشروع تعاني مشاكل مالية جدية دفعتها إلى الاتصال بشركة الشيخ ذاتها، مقترحةً عليها المشاركة في مشروعها الصغير. وبعد يومين على طرح الشيخ مشروعه في الإعلام، سارع نائب رئيس الوزراء حسين الشهرستاني، راعي صفقة «غاز البصرة» المثيرة للجدل، إلى التأكيد على عزم حكومته على تنفيذ مشروع الفاو الكبير بحسب تصاميم الشركة الإيطالية، مشيراً إلى أنّ «ميناء الفاو الكبير يحظى بأهمية كبيرة، وهو في سلم أولويات المشاريع الحكومية». وقد استغرب كثيرون هذا التدخل السريع من الشهرستاني وإصراره على تبني المشروع الإيطالي، ورفض المشروع الطموح لرجل الأعمال العراقي. وبرّر البعض هذه الحماسة من الشهرستاني بأنه يريد الإجهاز على أي تعاطف شعبي أو تفاعل مع مشروع الشيخ، لكن هذا التفاعل بدأ بالفعل من «كتلة الأحرار» الصدرية، التي تتمثل بـ 40 نائباً و8 وزراء. وكشف ضياء الأسدي، القيادي في التيار الصدري والوزير السابق، أن قيادته «تأخذ على محمل الجد التصريحات الأخيرة لمالك شركة حنا الشيخ القابضة بشأن إنقاذ الساحل العراقي، وننتظر دراسة التفاصيل كي نتبنى المشروع رسمياً، وقد دعونا حنا الشيخ إلى زيارة العراق لشرح فكرته على نحو تفصيلي، وقلنا له إنّ ثمانية من وزراء التيار الصدري و40 نائباً في البرلمان يمكنهم أنْ يضعوا كل إمكاناتهم السياسية في خدمة الفكرة، إذا كانت حقاً تجعلنا بمنأى عن النزاع مع الكويت». ورداً على هذه الإيجابية، أعلن صاحب المشروع أنه سيرسل مبعوثاً يمثله إلى بغداد خلال الأيام المقبلة لعرض تفاصيل المشروع، وسط تعهُّد الصدريين القيام بحملة واسعة لعرض الفكرة على الخبراء ورجال الأعمال، «بعدها يمكن أنْ نتبنّى مشروع الميناء العملاق، الذي يتوغل داخل مياهنا الإقليمية، بدل أن نحصر أنفسنا على ساحل الفاو ونتنازع مع الكويت بشأن بوبيان وميناء مبارك». مراقبون يتوقعون أنْ يستقطب التأييد الصدري للمشروع، دعماً سياسياً إضافياً، رغم أن البعض في العراق لا يريد أن تسجل حكومة المالكي «إنجازات» ضخمة ومتميزة كهذه، لئلا تترجَم تقدماً انتخابياً لمصلحتها في الاستحقاقات المقبلة.