طرابلس | هناك شبه إجماع على أن الدول الغربية، وحتى العربية، لم تتحرك لتأمين حماية للمدنيين في ليبيا، لكن من الواضح أن أهدافاً مبطنة قد خرجت الى العلن، تبدأ بعقود النفط والإعمار، ولا تنتهي بفرض النفوذ والجماعات الإسلامية في البلاد.

على أن الحراك الدولي بدأ يأخذ طابعاً عربياً وتحديداً من قطر، ما يطرح التساؤلات عن دور الدوحة في مستقبل ليبيا في الفترة المقبلة، وخصوصاً أن العلاقات القطرية الليبية أيام العقيد معمر القذافي لم تكن بالمتوترة الى هذا الحد، بل يصح القول إنهما تقاطعتا في نقاط عدة، أبرزها محاولة الدوحة وطرابلس إبراز نفسيهما كمنقذين من الأزمات في الشرق الأوسط وأفريقيا، ومنفّذين لما يطلبه الغرب من جهة أخرى.
لكن في الأوساط الليبية من يتخوف من دور يتعدّى المساعدة على بناء الدولة من جديد، وهو ما تعبّر عنه الكاتبة الصحافية غيداء تواتي بقولها «أعتقد أن الدور القطري سيكون كبيراً في الفترة المقبلة في ليبيا على جميع الصعد. لن ننكر فضل دولة قطر، وبالتأكيد الشعب الليبي يكن لها كل الاحترام، ولن ننسى أبداً مواقفها معنا، كما سيكون بالتأكيد للدول الغربية دور في تأهيل الكوادر الشابة في جميع المجالات. الغرب في حاجة إلى نفط ليبيا، وليبيا في حاجة إلى التقنية والشركات الكبرى لإعادة البناء، لذلك ستكون علاقة تبادل مصالح بالتأكيد، لكن الأوساط المراقبة في ليبيا تتخوف من أن يتحول هذا الدور إلى دور محوري سياسي في سياسة ليبيا الداخلية والخارجية».
هذا التخوف يؤكده الكاتب الليبي المعارض عبد الله جيلاني، الذي يرى أن «قطر ليست بحاجة إلى مال أو استثمارات اضافية بفضل ثروتها النفطية، بقدر ما هي بحاجة إلى فرض نفوذ واسع في مناطق بعيدة عن نفوذ الجارة اللدود السعودية. ومن الواضح أن القطريين قد خططوا جيداً للأمر مستغلين انشغال الرياض بمرض الملك عبد الله، والحديث عن ولي العهد المرتقب، إضافة إلى دورهم في الأزمة البحرينية، ما يفسح المجال لقطر لأن تتصدر المشهد الليبي وتعمل لتأمين غطاء عربي، ثم تشارك في العمليات العسكرية». ويتوقع أن الأيام المقبلة ستفتح الباب أمام الحضور القطري في الساحة الليبية.
إلا أنه يرى أن احتمال أن يكون هذا الحضور بدعم المجلس الوطني الانتقالي لتأليف حكومة تلبي مطالب أمراء الدوحة، هو احتمال ضعيف أمام دعم جماعات مسلحة وقبلية وحتى تيارات دينية متشددة تسعى إلى إضعاف المجلس. ويوضح جيلاني أن الميليشيات المسلحة تهيمن على طرابلس، فيما تنحسر شعبية رئيس المجلس العسكري لطرابلس عبد الحكيم بلحاج، «الذي لم تكن شائعات دعم الدوحة له أكثر من كلام في الهواء، وخصوصاً مع انحسار سلطته مقابل سطوة كتائب متفرقة».
والمسؤولية في هذا تقع على قادة ليبيا الجدد، حسبما يقول الناقد الصحافي عز الدين عقيل، مشيراً إلى أن «المشكلة ليست في قطر ولا في عبد الحكيم بلحاج، بل في ضعف السلطة السياسية التي تقود الثورة، وضيق أفقها المؤسساتي الذي لا يسمح بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية بصورة تمنح الفرصة لكل الذين شاركوا في صنع النصر..». ولتعويض هذا العوز لجأت السلطة السياسية أخيراً، ضمن محاولة عدها انتحاراً حقيقياً للوطن، الى «التحالف الأخير الذي تقوده قطر ولا يمت بصلة إلى شرعية الأمم المتحدة، للاستقواء على المسلحين المستقلين الذين لن يكتفوا بالتفرج فور بدء وفود هذه القوات على البلاد، حتى لو كانت ضمن مهمّات التدريب وجمع السلاح».
والحل، في رأي عقيل، أن «تتدخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن ليقترحا ويؤمنا معايير تحول ديموقراطي يراعي كافة الأطراف والتوازنات والحساسيات الوطنية، ويساعد على لجم السلاح ودمج الميليشيات المسلحة في منظومات وطنية منضبطة».
أما الصحافي الحسين عبد الكريم، فيرى أن إنشاء تحالف بقيادة الدوحة هو لضمان مصالح الغرب الأمنية قبل الاقتصادية، وليكون الغطاء عربياً. «فليبيا ليست الصومال أو أفغانستان. والمشكلة ليست في النفط فقط، بل الأهم هو وجود شريط ساحلي مقابل طوله 1800 كيلومتر لا يفصل ليبيا عن أوروبا إلا مسافة 500 كيلومتر فقط، هي البحر المتوسط، وفي بعض المناطق تصغر الى 300 كيلومتر، ما يعني ضرورة أن يكون الشمال الليبي مستقراً ومسيطَراً عليه أمنياً لمنع أي هجوم إرهابي أو هجرة غير شرعية».
في كل الأحوال سيجري التعاون والتحالف مع قطر الآن ومستقبلاً، لقد جرى الارتباط بالقطريين على شكل الزواج الكاثوليكي، وأصبح التخلص منهم من المستحيلات. ربما كانت هذه ضريبة الخلاص من نظام العقيد القذافي.