فتيحة (تركيا) | منذ الخامسة من عصر أمس، بات بالإمكان الحديث عن الحملة الكندية والإيرلندية لكسر الحصار على غزة، مع انطلاق مركب «التحرير» الكندي نحو المياه الدولية باتجاه فلسطين، بعدما سجّل خروجه من المياه التركية التي رسا فيها لعدة أيام، نحو اليونان، لتفادي أي حظر قانوني قد تفرضه أنقرة إن كانت الوجهة الرسمية قطاع غزة. أبحر المركب المحمل بمساعدات طبية بسلام من مرفأ «فتيحة» التركي حاملاً اسم «التحرير» (Saoirse). الوجهة الرسمية: جزيرة رودوس اليونانية. الركاب: قبطان المركب ومساعده، و10 «سائحين» من جنسيات مختلفة. الوقت المتوقع للوصول إلى الوجهة اليونانية المحددة رسمياً (رودوس): ثلاث ساعات. من المفترض أن يكون المركب قد اجتاز المياه التركية ودخل المياه الإقليمية بعد ساعة ونصف من انطلاقه. وفور خروجه من شواطئ «فتيحة»، قام الركاب بكل التعديلات المحدّدة سلفاً لهذه الرحلة: نزع القارب عن نفسه «الثوب السياحي»، ورفع لافتة «موج الحرية لغزة»، على وقع صيحات «نحو غزة يا إخوان»، لتغيّر السفينة وجهتها فوراً في وسط البحر من اليونان إلى الشواطئ الفلسطينية. هكذا بدأت الحملة الكندية عملها الفعلي والمباشر لكسر حصار غزة، بعد أشهر من النشاط السري في الخفاء بين كندا والولايات المتحدة وتركيا.

مرت الأيام الماضية على المشاركين بكثير من الثقل والتعب والتخبط بين الإحباط والتفاؤل. حاولوا قدر الإمكان عدم لفت الأنظار وإبقاء المهمة مبهمة. طلب المركب أذناً للتوجّه إلى رودوس في إطار الرحلات السياحية الاعتيادية بين البلدين. وبعد عرقلة واضحة من السلطات التركية، التي كانت على علم بما يحصل في ميناء «فتيحة»، نجح الانطلاق، ولو أنه نجاح ناقص، إذ لم يحمل القارب كل الناشطين والصحافيين الذين حضروا إلى المكان للانضمام إلى الحملة، بينهم كاتب هذه السطور. وضمن العرقلة التي جرت، إجبار السلطات التركية القارب، المفترض أنه متوجه إلى رودوس، على خفض عدد المسافرين على متنه إلى 11 «سائحاً» بدل 36، إضافة إلى قبطان المركب. وبرّرت السلطات التركية هذا الاجراء بالقانون التركي الذي لا يسمح للقوارب «الصغيرة» بحمل أكثر من هذا العدد في رحلات مماثلة.
وقع المنظمون في موقف صعب إزاء الإصرار التركي، فكان عليهم استكمال النقاش مع السلطات من جهة، وإقناعها بأنّ الرحلة هي لمجموعة واحدة من السائحين، وتفسير الموضوع للمشاركين وإيجاد الآلية اللازمة لاختيار الأسماء من جهة ثانية. استمر التواصل مع السلطات، وبدأ النقاش بين المجموعة يأخذ شكلاً حزيناً بما أنه ستُستبعَد أسماء عدد كبير من الحاضرين. حصيلة النقاش مع الطرف التركي انتهت بعشرة أسماء، إضافة إلى آخر سُجِّل مساعداً للقطبان، أي 11 مشاركاً إضافة إلى قبطان «التحرير»، كلهم بصفتهم السياحية. هكذا، رست القائمة على كل من الصحافيين كايسي كوفمان وأمين زبير (مندوبا «الجزيرة» الإنكليزية والعربية)، وجيهان حافظ (راديو وتلفزيون «ديموكراسي ناو»)، حسن غاني («برس تي في») ولينا عطا الله («مصر اليوم»). أما الناشطون، فهم كيتريدج مارلو (الولايات المتحدة)، ومجد كيال (فلسطينيي 48)، ومايكل كولمان (أوستراليا) والكنديون كارين دي فيتو وإيهاب لطيف ودايفد هيب (مسجّل كمساعد القبطان).
تغيّرت معالم الناشطين والصحافيين الذين أسعفهم الحظ للمشاركة بهذه الرحلة. بات الأمر جدياً وبغاية الخطورة: المهمة الأولى تجنُّب مراكب الأمن التركية واليونانية. أما المهمة الثانية، فهي إعلان الوجهة للسلطات الرسمية وللهيئة المشرفة على المهمة في إسطنبول وكندا وغيرهما. باختصار، يمكن القول إنّ العملية نجحت، ولو أنها كانت ناقصة. وليس مركب «التحرير» وحيداً في مياه المتوسط لدعم غزة، إذ رافقه مركب إيرلندي حمل عشرة ناشطين من الجنسية نفسها (إيرلندية). وعمل الإيرلنديون بنفس الأسلوب الكندي، بعدما تخفّوا لبضعة أيام في المدن التركية، وطلبوا إذناً لمغادرة «فتيحة» إلى رودس. وقبل الوصول إليها، انعطفوا نحو الجنوب في المياه الدولية. ومن المفترض أن يمثّل المركبان جبهة واحدة في البحر، وأن يصلا معاً إلى غزة. ولا يمكن توقع توقيت وصول القاربين إلى القطاع، هذا إن وصلا، إلا أنّ بالإمكان القول إن المهمة قد تطول نحو 50 ساعة بعد الانطلاق، إلا في حال اعتراضهما في المياه الدولية.
ماذا عن الأتراك؟
لا يمكن القول إنّ السلطات التركية لم تكن على علم بما كان يجري إعداده في مرفأ فتيحة ومدينتي دالامان وغوتشيك والعاصمة إسطنبول. ولا يجوز القول إنّ الحملة كانت بعيدة عن عيون الإسرائيليين الذين ظلّ عملاؤهم حول النشطاء، وجالوا في محيط أماكن إقامتهم وتنقلاتهم في تركيا. وبعد ساعات قليلة على انطلاق المركب، قال مسؤول عسكري إسرائيلي إن دولة الاحتلال «لن تسمح للسفن بخرق الحصار... الحصار مستمر ولن يسمح بأي استثناءات وسنتّخذ كل الإجراءات الضرورية لمنعه من الوصول إلى غزة».
وبحسب أجواء عدد من الناشطين، كانت الحكومة التركية في مأزق لدى بدء النشاط الفعلي لـ«التحرير»، إذ إنه لم يمكن بإمكانها منع المركب من الانطلاق لتعارض الأمور مع التصريحات السابقة لحكامها عن تعهدات أنقرة بضمان حرية الملاحة في المياه الاقليمية. كذلك لم يكن باستطاعتها السماح بسهولة بخروج المركب والتساهل مع الناشطين، لأن ذلك كان سيؤثر على موقعها وعلاقتها الحالية في المنطقة.
بالتالي، وجدت الحكومة التركية مجموعة من الخيارات، منها عرقلة المركب لبعض الوقت، والضغط على المجموعة لتضييق حجم المشاركة بهدف التقليل من حجم الحملة وعدد المشاركين فيها، وهو ما حصل تماماً في وقت سابق مع إحدى الحملات الأوروبية التي حجّمها الأتراك، ما حال دون نيلها الدعم الإعلامي والسياسي اللازمين. وبهذه الطريقة، تكون أنقرة قد حفظت ماء الوجه مع القضية الفلسطينية، وعملت في الوقت نفسه على عدم استفزاز إسرائيل علناً وبوضوح.




احتلال الاحتلال

نشرت «الحملة الكندية لكسر الحصار على غزة»، على موقعها الإلكتروني، مساء أمس، خبر وصول قاربي «التحرير» و«ساورز» (الحرية) إلى المياه الدولية. ونُشر الخبر بعد تأكد المشرفين على الحملة من أنّ القاربين باتا بأمان في مياه المتوسط، وأنّ الوصول إلى غزة بات مسألة وقت فقط. ونقلت الحملة في بيانها عن أحد منظمي الحملة، دايفد هيب، أنّ «مجرد الوصول إلى المياه الدولية يعدّ انتصاراً جديداً للحركة». ويشير هيب إلى أنه «رغم الابتزاز الاقتصادي واستعانة الإسرائيليين بكافة وسائل الضغط على الدول لمنعنا من التضامن مع غزة، نحن الآن أقرب إلى كسر الحصار واحتلال الاحتلال». ونشر الموقع نفسه رسالة أحد منظمي الحملة، إيهاب لطيف، كتب فيها: الحصار الإسرائيلي على غزة غير قانوني وغير إنساني وغير مبرر. إسرائيل تنفّذ عقاباً جماعياً بحق السكان المدنيين في القطاع، وأنا سأكافح وأواجه هذا الحصار بأسلوب سلمي غير عنفي. أعترض على واقع الفلسطينيين وأرفض اعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية لا حقوق لهم، وسأدعمهم دائماً في نضالهم لنيل حقوقهم».