بدأت معالم صورة ما وراء «سجال الهجوم على إيران» تتضح في إسرائيل، مع نشر عدد من المعلّقين قراءات أكثر تبلوراً للحدث رأوا فيها أن ما يحصل يندرج ضمن سياق «حرب أعصاب بين إسرائيل وإيران» هدفها دفع الدول الغربية، وكلّ من روسيا والصين، إلى تشديد العقوبات على إيران على قاعدة أن «العقوبات أقل ضرراً للعالم من هجوم قد نقوم به».


وكتب مراسلا الشؤون العسكرية والعربية، عاموس هارئيل وآفي يسخاروف، في مقال مشترك بصحيفة «هآرتس»، أن وتيرة الأحداث في الأيام الأخيرة بدأت تذكّر «بواقع ما يسمّى عشيّة الحرب». وتحت عنوان «حرب أعصاب بين إسرائيل وإيران»، رأى الكاتبان أن ما يحدث حالياً بين تل أبيب وطهران هو «حرب إشارات وتهديدات علنية ليست موجهة بالضرورة نحو المواطنين المستهدفين في الداخل، بل نحو كل من فيينا ونيويورك ولندن وواشنطن». وأضافا «إن الطريقة التي ستُلتقط بها هذه التصريحات وتُترجم إلى أفعال، سواء في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أو في عواصم الغرب، هي ما ستُملي التطورات في الأسابيع المقبلة».
وأشار الكاتبان إلى وجود «بعد مضلّل» في الاهتمام الإعلامي بموضوع الهجوم الإسرائيلي المحتمل على إيران، «فللوهلة الأولى، لو حقاً كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع إيهود باراك يريدان الهجوم، فهما أول من كان عليهما الشعور بالقلق مما يوصف على أنه كشف تفاصيل تنفيذية سرية في وسائل الإعلام، لكن باراك أدلى بحديث طويل إلى إذاعة الجيش يوم الاثنين صباحاً، ولم يتطرق ولو بكلمة إلى الضرر الذي ينجم عن النشر المفترض».
ويخلص هارئيل ويسخاروف في تحليلهما إلى القول إن إسرائيل «تبدو للوهلة الأولى في وضع Win-Win. فلو أجدت عمليات الإخافة التي تقوم بها، فإن المجتمع الدولي سوف ينقلب على إيران وبذلك سيُفرض المزيد من العقوبات عليها. ولو ظل العالم على حاله، فهناك أيضاً بدائل أخرى، لكن هذا الأمر يعدّ لعبة خطيرة. بضعة أسابيع أخرى من بناء توترات متعمدة، سوف تؤدي إلى قيام أحد الطرفين بخطأ قاتل سيقود المنطقة إلى الحرب، حتى لو لم تكن تلك هي الخطة».
من جهته، رأي محلل الشؤون الأمنية في «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، أن المهم في ما يحصل هو أنه أصبح «واضحاً للمجتمع الدولي والإيرانيين أن القيادة السياسية في إسرائيل تدرس بجدية إصدار أمر بمهاجمة إيران من أجل وقف أو تأخير مشروعها النووي، وذلك إذا ما تبين أن الخيارات غير العسكرية لتحقيق هذا الهدف غير ناجعة». ورأى بن يشاي أن احتمال إصدار أمر كهذا لا يزال بعيداً في الوقت الراهن لأسباب عدة، بينها أن إيران لن تستكمل برنامجها النووي بحسب التقديرات قبل 2015 وأن عقوبات دولية أشد قد تدفعها إلى الموافقة على صفقة مع الدول الغربية للتراجع عن هذا المشروع.
وكشف بن يشاي أنه في الوقت الراهن ليس هناك قرار بمهاجمة إيران «ليس فقط بسبب معارضة الوزراء وقادة المؤسسة الأمنية، بل أيضاً بسبب معارضة الولايات المتحدة التي تخشى من تبعات الرد الإيراني على حلفائها في الخليج، ما قد يؤدي إلى زعزعة استقرارهم، إضافة إلى تعريض إنتاج النفط ونقله للخطر، واستهداف الجنود الأميركيين ومواطنيها في المنطقة». ورأى أن «لإسرائيل مصلحة واضحة في إعادة وضع الموضوع الإيراني على رأس جدول الأعمال الدولي، بعدما أزاحته أحداث الربيع العربي عن الواجهة».
وعلى صلة بالنقاش الدائر في إسرائيل، نشرت صحيفة«هآرتس»، أمس، نتائج استطلاع للرأي أظهرت أن 41% من الإسرائيليين يعتقدون أن على تل أبيب أن تهاجم المنشآت النووية الإيرانية، مقابل معارضة 39%، في حين أن 20% أجابوا بأنهم لا يعرفون. وبحسب الاستطلاع، فإن 52% من الإسرائيليين يثقون بالقرارات التي يتخذها رئيس الحكومة ووزير الأمن بشأن إيران، فيما قال 37% إنهم لا يثقون بقرارات نتنياهو وباراك.
وفي السياق، كشفت صحيفة «هآرتس» عن بعض مضامين التقرير الذي سيصدر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأسبوع المقبل، ورأت أنه يثير آمالاً كثيرة في الغرب لتفعيل عقوبات أكثر شدة على إيران. وقالت الصحيفة إن التقرير سيكشف عن معلومات جديدة تثبت أن إيران سرّعت برنامجها النووي. وتفيد هذه المعلومات بأن إيران أجرت سلسلة أنشطة سرية ضمن ما يسمّى «مجموعة السلاح»، التي تعدّ المرحلة الأخيرة من تركيب القنبلة، إضافة إلى إجراء اختبارات حول كيفية تركيب رأس نووي على صاروخ. وبحسب الصحيفة، فإن الولايات المتحدة تأمل أن يؤدي الكشف عن المعلومات الجديدة إلى دفع روسيا والصين إلى التراجع عن معارضتهما لجولة خامسة من العقوبات ضد إيران في مجلس الأمن.
وأشارت الصحيفة إلى أن «موجة المنشورات» في إسرائيل وبريطانيا، خلال الأيام الأخيرة بشأن احتمال اللجوء إلى الخيار العسكري ضد إيران، تهدف أيضاً إلى التلميح لكل من بكين وموسكو بتأييد العقوبات، وإلا «فلن يكون هناك مفرّ من العمليّة العسكريّة».
ونقلت «هآرتس» تقديرات مفادها بأن إيران نجحت في التغلب على الأضرار التي أحدثها الفيروس في حواسيبها النووية، والذي قيل إنه من تصنيع إسرائيلي أميركي. وأوضحت أن الفيروس أدى إلى تعطيل نصف أجهزة الطرد المركزي الموجودة في منشأة نتانز والبالغ عددها نحو 9000. إلا أن طهران تمكنت أخيراً من إنتاج أجهزة طرد مشابهة من الطراز القديم المسمى 1IR وهي تنوي تنصيبها في منشأة قم. ووفقاً لصحيفة «معاريف»، فإن عزم الإيرانيين على الشروع في نقل أجهزة الطرد من نتانز إلى قم يثير قلق الغرب وإسرائيل لأن ذلك سيعني أن إمكانية الهجوم ستصبح أقل نجاعة بسبب التحصينات العميقة للمنشأة الجديدة، ولأنه لن تكون هناك رقابة على اليورانيوم الذي سيدخل ويخصّب هناك.