تفاوتت تعليقات المعارضة السورية بمختلف أطيافها، في الداخل والخارج، على الاتفاق السوري ــ العربي حول خطة لحل الأزمة، مع تشابُه في ما بينها حيال نقاط مركزية: الشكّ والحذر بالتزام النظام تطبيق الاتفاق واجب، لكن دون رفض الاتفاق من أساسه. وقد وصف المعارض السوري البارز ميشيل كيلو، في اتصال من باريس مع «الأخبار»، الموافقة السورية على الخطة العربية بأنها «خطوة مهمة جداً ومن شأنها أن تبعد النظام عن الحل الأمني، بالتالي يجب التعاطي معها من هذا المنطلق». وفيما ذكّر بأن الاقتراحات العربية «سبق لنا أن اقترحناها نحن في المعارضة على النظام منذ بداية الأزمة تحت عنوان البيئة التفاوضية، ورفضَها في حينها»، فإنه يتوقف عند «حصول شيء كبير جداً دفع بدمشق إلى الموافقة على الشروط العربية وشروط المعارضة بعدما كانت رافضة للاتفاق». وبينما يرفض الافصاح عن نوعية هذا «التطور الكبير» الذي قد يكون له علاقة «بإيصال كلام للقيادة السورية عن ما بعد مبادرة الجامعة العربية إذا رُفضت»، إلا أنه يعوّل على نقطة يراها شديدة الأهمية، وهي أن «تلتزم كل أطراف النظام ببنود الاتفاق». وردّاً على سؤال يتعلق بما إذا كانت التطورات الميدانية ليوم أمس توحي بأن الحل الأمني لا يزال سارياً، يرى كيلو أنه، رغم «عدم اختلاف التعاطي الأمني» ليوم أمس في المدن السورية، وفي حمص تحديداً، «إلا أنه لا يزال الوقت مبكراً لكي يختلف التعاطي الأمني، بما أنّ الأمر يحتاج إلى يومين أو ثلاثة ليظهر التجاوب الرسمي من عدمه»، مع إصراره على أنه لا يبرّر بهذا الكلام استمرار السلوك الأمني للسلطات السورية. وعن تقديره بشأن نية دمشق الالتزام بالاتفاق العربي من عدمه، يستبعد كيلو أن تكون موافقة النظام على شروط المعارضة والعرب «مجرّد خطوة تكتيكية أو شراء للوقت، لأنه حتى ولو كانت كذلك، فسيكون صعباً جداً عليه التراجع عنها، وقد يعني تراجعه عن موافقته على الاقتراحات العربية نهايته حتى».

ورغم هذا التفاؤل النسبي من كيلو بالموافقة السورية على المبادرة العربية، فإنّ المعارض المخضرم يشدّد على أنّ الاعلان السوري الرسمي عن قرب تأليف لجنة الحوار الوطني، هي خطوة «تشكّك في جدية النظام، لأن هذه اللجنة إن شُكِّلَت، لن يكون لها موقع من الاعراب إذا كان هناك نية حقيقية في التحاور مع المعارضة». ويبرر رأيه بأن «لجنة الحوار وفكرتها وُلدت أساساً منذ بداية الأحداث للتغطية على عدم رغبة النظام بالتحاور مع المعارضة، وإذا كان هذا الحوار سيجري فعلاً، فإنّ النظام سيكون طرفاً وليس ممثَّلاً بلجنة تضمّ من شاركوا في المؤتمر التشاوري وحوار المحافظات...».
التنسيقيّات: اختبار الجديّة بتصعيد التظاهر
في غضون ذلك، صدر بيان عن «لجان التنسيق المحلية» الناشطة ميدانياً، ورحّبت فيه «بمواصلة اللجنة الوزارية العربية جهودها الرامية إلى حقن دماء السوريين وحمايتهم من رصاص أمن وجيش وشبيحة النظام». وفيما شكك بيان «التنسيقيات» في جدية موافقة النظام على المبادرة العربية، فإنه دعا السوريين إلى «التحقق من نواياه وإفساح المجال أمام الحوار، وذلك من خلال الاستمرار في أشكال الاحتجاج كافة». وحثّ البيان على «التعبير عن حقيقة مواقفهم عبر الانضمام إلى الثوار السلميين المتظاهرين في المدن السورية»، ابتداءً من اليوم (الجمعة) «للتظاهر في كل الساحات والشوارع، ومواصلة الكفاح اللاعنفي حتى إسقاط النظام».

غليون: فرصة لتعديل ميزان القوى

بدوره، اختصر القيادي الأبرز في «المجلس الوطني السوري» برهان غليون، تقويمه للاتفاق السوري العربي، ببيان نشره على صفحته على موقع «فايسبوك»، وقال فيه إن قبول النظام بالمبادرة العربية «ناجم عن الخوف الذي استبدّ به نتيجة العزلة العربية والدولية»، من دون أن يعرب عن ثقته بأن دمشق ستحترم بنود المبادرة. وفيما توقّع غليون أن يسعى النظام إلى استعادة المبادرة «بالالتفاف على الالتزامات المطلوبة وباللعب على تناقضات المعارضة»، فقد جدّد التشديد على أن الهدف يبقى إسقاط النظام، داعياً إلى استغلال فرصة المبادرة «من أجل تغيير ميزان القوى لصالح الثورة والثوار». من أجل ذلك، حث غليون على النظر إلى المبادرة «كهدنة لا كأساس للحل، ولتحقيق ما منعنا الرصاص من تحقيقه حتى الآن، أي توسيع قاعدة المسيرات السلمية. هذا هو أملنا في أن لا يستغل النظام الهدنة لتحسين مواقعه».
في غضون ذلك، كان الامين العام للجامعة العربية نبيل العربي يلتقي وفداً من المكتب التنفيذي للمجلس الوطني السوري، الذي أصدر بياناً بعد الاجتماع أعلن التزامه بـ «المطالب الشعبية والثورية التي تشدِّد على رفض الحوار مع النظام وإسقاطه بكافة رموزه، وأن أي عملية سياسية يمكن أن تتبناها الجامعة يجب أن تركز على ضمان انتقال السلطة إلى حكومة تمثل الشعب مع رحيل بشار الأسد والطغمة التابعة له». وأضاف «أن النظام ما زال يقوم بارتكاب إنتهكات فظيعة برغم التزامه بتطبيق مبادرة جامعة الجول العربية، وكان آخرها سقوط عدد من الشهداء في حمص وعمليات الاعتقال والمداهمة في عدة مدن من بينها حماة ودرعا».
وأشار المجلس أن الأمين العام للجامعة العربية قال «إن المجلس الوطني السوري بات اليوم طرفاً أصيلاً بالمعادلة الاقليمية والدولية الخاصة بالقضية السورية، وأنه سيقوم بنقل وجهات نظر المجلس إلى الدول الأعضاء بالجامعة». وأضاف «ان العربي قدَّم عرضاً لمجريات الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء العرب الخاص بالقضية السورية، وتأكيد الدول الأعضاء في الجامعة على ممارسة كافة الضغوط التي ترغم النظام السوري على تطبيق بنود المبادرة العربية، ومنها إرسال مراقبين عرب والسماح لوسائل الإعلام بالتغطية الحرة للأحداث والتظاهرات».

العودات متشائم


في المقابل، لم يبدِ عضو «هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي» حسين العودات تفاؤلاً يذكر بخصوص التفاهم الأخير من ناحية تجاوب النظام مع مجمل بنود الاتفاقية. وقال العودات لـ«الأخبار»: «أستبعد أن يتحقق شيء من مجمل بنود الاتفاقية العربية على أرض الواقع، مع أنني أتمنى الخروج من الأزمة بسرعة حقناً لدماء السوريين». وعن أسباب تشاؤمه، أشار إلى أنه «يصعب على السلطة السورية ومختلف أجهزتها الأمنية وقف العمليات الأمنية وسحب الجيش وإيقاف عملياته العسكرية دفعة واحدة، لأن هذا سيؤدي بالضرورة إلى تضاعف عدد المتظاهرين في الشارع». سجّل العودات ملاحظته في ما يتعلق ببند الحوار الوطني، لأن الاتفاق «لم يقدم صورة واضحة عن مفهوم الحوار الوطني ولا عن هوية أطراف هذا الحوار وبنوده، وما إذا كان سيتمحور حول الانتقال في النظام السوري نحو الديموقراطية والحرية والتعددية السياسية؟». كذلك رفض الربط بين ما يُشاع في الشارع السوري الموالي حول مبادرة جامعة الدول العربية، وبين مخططات سياسية خارجية للدول الغربية التي تريد النيل من السيادة السورية، معتبراً أنّ «الكرة الآن في ملعب النظام، لكن إذا لم يصر إلى التعامل مع هذه المبادرة بإيجابية، فربما سنشهد استعانة جامعة الدول العربية بمجلس الأمن الدولي».
بدوره، لفت المعارض لؤي حسين، عضو «تيار بناء الدولة» الوليد حديثاً، إلى ردود الفعل الأولية التي وصلته حول المبادرة العربية، كاشفاً أن «الجيش السوري الحر» المنشق عن الجيش النظامي «أوقف جميع عملياته، كما أخبرتني العديد من لجان التنسيق المحلية للثورة السورية». وعن قراءته لجملة بنود وتفاصيل المبادرة العربية، توقع أن «تتعثّر المبادرة العربية أكثر من مرة، لكن على محبّي هذا الوطن أن يدفعوا بها نحو الأمام حتى نتمكن من حقن الدماء السورية». وبالنسبة إلى الحوار المزمع تنظيمه، أينما كان مكان انعقاده، فيرى حسين أنه «ليس مهماً الآن، بقدر أهمية تنفيذ بنود الاتفاقية العربية بداية بإيقاف عمليات القمع وقفاً كاملاً، وإطلاق سراح جميع معتقلي التظاهرات السلمية». ويشدد على أهمية تأليف «مجلس وطني انتقالي، على أن تُختار أسماء هذا المجلس بنحو عقلاني، وصولاً إلى انتخابات ديموقراطية حرة». ورداً على سؤال حول بند إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين الذين اعتقلوا على خلفية الأحداث في الاشهر الثمانية الأخيرة، أعرب حسين عن اعتقاده بأن «النظام وأجهزته الأمنية المختلفة لم تعد قادرة على التلاعب في هذه المسألة رغم أن الاعتقالات لا تزال مستمرة حتى الساعة، وعلينا تحذير النظام من استمرار هذه الممارسات». أما إذا لم تنجح المبادرة العربية في إيقاف العنف والخروج من الأزمة، فـ«سنُبقي على نشاطنا السياسي السلمي الذي التزمنا به منذ أكثر من 30 عاماً، حتى تتحقق جميع مطالبنا المشروعة»، على حد تعبيره.
(الأخبار)




«وقف العنف يعني القضاء على العصابات»

ينفي مدرّس العلاقات الدولية في جامعة دمشق، المقرَّب من النظام السوري، بسام أبو عبد الله، أن تكون موافقة النظام على المبادرة العربية بمثابة تنازُل أو اذعان لإرادة جامعة الدول العربية، على حساب استقلالية سوريا وسيادتها. ويشرح بنود الاتفاق على الشكل التالي: البند الأول الذي يتحدث عن وقف العنف، المقصود منه «القضاء على العصابات المسلحة، ولا يمكن أي دولة في العالم أن تتحمل عدد الشهداء في صفوف جيشها أو أجهزتها الأمنية كما تحملها النظام والشعب السوري خلال الفترة الماضية». ويعلق على البند الثاني، القاضي بدخول وسائل الاعلام المختلفة إلى البلاد، بالقول «جميعنا نعرف أن هناك العديد من مراسلي وسائل إعلامية مختلفة لا يزالون يعملون حتى الآن على الأراضي السورية، لكن إذا كان المقصود بوسائل الإعلام قناتي الجزيرة والعربية، فنحن نريد أن نقول لهم أن يكونوا موضوعيين».