«المبادرة في بدايتها وبديلها التدخُّل الخارجي»


بات من شبه المحسوم أنّ اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية اليوم بشأن سوريا، لن يكون عاصفاً، ولن يشهد خطوات تصعيدية ضد دمشق، التي رحّبت ببعثة عربية ترصد الأوضاع ميدانياً، مع تسجيل حصيلة قتلى جديدة في جمعة «تعليق العضوية»
يدخل وزراء الخارجية العرب اجتماعهم الاستثنائي المخصص للأزمة السورية في القاهرة، اليوم، في ظل أجواء إعطاء فرصة جديدة للمبادرة العربية، التي اتفقوا عليها مع دمشق في الثاني من الشهر الجاري، مع استبعاد اتخاذهم أيّ خطوات تصعيدية ضد النظام. أجواء أشاعتها أوساط الجامعة العربية قبل وبعد الاجتماع التشاوري للجنة المكلفة الاتصال بالسلطات السورية مساء أمس. «مرونة» عربية سبقتها «إيجابية» سورية أعرب عنها المندوب السوري الدائم إلى الجامعة، يوسف الأحمد، الذي أبلغ الجامعة رسمياً، ترحيب بلاده بزيارة بعثة المؤسسة العربية للاطلاع على الأوضاع الميدانية في سوريا، وذلك بالتزامن مع يوم دامٍ جديد، أراد منظمو التظاهرات أن يكون شعاره «جمعة تعليق العضوية» السورية في الجامعة العربية، وتفاوتت حصيلة قتلاه بين 30 قتيلاً مدنياً، و26 جندياً سورياً، بحسب مصادر وكالة «رويترز»، و21 مدنياً وفق «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، في مقابل 10 قتلى سقطوا «برصاص العصابات المسلحة» على حد تعبير مصادر رسمية سورية.
واستبقت دمشق القرار العربي المحتمَل صدوره عن الاجتماع الاستثنائي لمجلس وزراء الخارجية العرب في القاهرة، اليوم، الذي قد يقضي بإرسال بعثة مراقبين فوراً لفرض تطبيق المبادرة العربية، بالترحيب، والإعراب عن الاستعداد للتعاون الكامل مع هذه البعثة، مع استمرار تنافُس روايتي السلطة ومعارضيها بشأن هوية القاتل والمقتول. ورحّبت سوريا، ممثلةً بالسفير الأحمد، بزيارة بعثة من جامعة الدول العربية دمشق، وأعلنت استعدادها للتعاون التام معها، مجددةً التزامها بخطة العمل العربية لحل الأزمة في البلاد، وذلك بـ «مذكرة رسمية» وجهها الأحمد إلى الأمانة العامة للجامعة. ونقلت وكالة «سانا» عن الأحمد تأكيده أن بلاده «ملتزمة بخطة العمل العربية التي أقرها مجلس الجامعة، وهي جادة في تنفيذ بنودها، ونفذت فعلاً معظمها»، مشيراً إلى أن «زيارة بعثة الجامعة إلى سوريا ستسهم في الوقوف على حقيقة التزام سوريا بالخطة، وفي الكشف عن دوافع وأجندات بعض الأطراف الداخلية والخارجية، التي تسعى الى إفشال خطة العمل العربية».
على أثر ذلك، صدر استبعاد صريح من الجامعة العربية للّجوء إلى خيارات عقابية بحق سوريا، كتجميد عضويتها في الجامعة، التي واصل أمينها العام نبيل العربي استقبال ممثلين للمعارضة السورية. وقال نائب الأمين العام للجامعة، أحمد بن حلي، إنّ خيار تجميد عضوية سوريا كما يطالب به «المجلس الوطني السوري» أمر مستبعَد، مشيراً إلى أن الجامعة ترى أن المبادرة العربية لحل الأزمة السورية «لا تزال في بدايتها». وحذر بن حلّي، في مقابلة مع قناة «الجزيرة»، من أنّ «إغلاق الأبواب في وجه تلك المبادرة سواء من خلال تجميد عضوية سوريا، أو من خلال إغلاق الأبواب في وجه أطراف سورية معينة، سيعني فتح أبواب أخرى، ومن ضمنها التدخل الخارجي». وتابع أن «المبادرة لا تزال قائمة، لكنها تتطلب حزماً ومثابرة وجداً والتزاماً أميناً من السلطة، ومن بعض الأطراف الأخرى التي ترفع السقف، وتتعامل مع الوضع دون أن تكون لها رؤية سياسية».
وقد بحث وزراء خارجية الدول العربية الأعضاء في اللجنة المكلفة الاتصال بدمشق، برئاسة رئيس وزراء قطر، حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، في أحد فنادق القاهرة مساء أمس، مستجدات الساحة السورية. وكشف مصدر دبلوماسي عربي لوكالة «يونايتد برس» أن الاجتماع ناقش تقريراً أعده العربي يتضمَّن نتائج الاتصالات التي أجراها على نحو عام، مع الحكومة السورية ومختلف أطياف المعارضة خلال الأيام الماضية. وأضاف المصدر إنه جرى خلال الاجتماع «تقويم مدى التزام الأطراف المعنية بالأزمة السورية ببنود المبادرة العربية الخاصة، وسُبل تذليل المعوقات التي تحول دون تنفيذها»، على أن ترفع اللجنة الوزارية العربية تقريرها النهائي إلى الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية اليوم، كما نقلت مصادر أخرى أنّ «تدويل أزمة سوريا عبر نقلها إلى مجلس الأمن خيار محكوم عليه بالفشل، لأن روسيا والصين تهددان باستخدام الفيتو، وتصرّان على ضرورة حشد الدعم للمبادرة». وتابعت أنّ فرض منطقة حظر جوي على سوريا أمر «لا يحظى في الأساس بأي موافقة عربية، لاقتناع العرب بضرورة عدم تطبيق النموذج الليبي في سوريا، واعتقادهم بأن تدمير سوريا الدولة يعني تعريض الأمن القومي العربي للخطر، لأنه سيفتح الساحة السورية لقوى إقليمية عديدة تتربص بالمنطقة ومستقبلها»، إضافة إلى «مخاوف العرب الجدية» من أن تشهد سوريا وجيرانها صراعاً طائفياً إذا ما سقط النظام.
وكان الوجه الأبرز في «المجلس الوطني السوري» برهان غليون، قد استبق إشارات التهدئة هذه بين دمشق والجامعة العربية، بالإصرار من روما، على مطالبة جامعة الدول العربية بأن «تجمد عضوية نظام قاتل لشعبه»، وعلى «سحب السفراء العرب من سوريا». وعشية اجتماع وزراء الخارجية العرب، اتهمت منظمة «هيومن رايتس ووتش» السلطات السورية بارتكاب «جرائم ضد الإنسانية»، وانضمّت إلى الداعين إلى «تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية»، كما حثّت المنظمة الجامعة والأمم المتحدة على فرض حظر على الأسلحة، وعقوبات على أعضاء في النظام، وعلى إحالة سوريا على المحكمة الجنائية الدولية.
ميدانياً، اختلفت أرقام الضحايا كالعادة بين مصادر المعارضة والفضائيات العربية من جهة، ومصادر النظام وتلك المقربة منه من جهة ثانية، ففيما أعلن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن 21 شخصاً سقطوا أمس في عدد من أحياء حمص، وفي إدلب ودرعا، كشف مصدر سوريّ رسمي أن 2 من قوات حفظ النظام و5 من المسلّحين و3 مدنيين قُتلوا «على أيدي المسلحين» في أنحاء البلاد، بينما نقلت «رويترز» عن «ناشطين» تأكيدهم أن 30 مدنياً قُتلوا على أيدي قوات الأمن، في مقابل 26 جندياً.
(الأخبار، أ ف ب، أ ب، رويترز، يو بي آي)