طهران | ثلاث مرات قرعت السلطة الفلسطينية أبواب العاصمة الإيرانية ولم تلق جواباً. محاولة إضافية للعودة إلى «طهران ما بعد الاتفاق النووي»، كان مصيرها الإخفاق كسابقاتها. مستشار رئيس مجلس الشورى الإسلامي للشؤون الدولية والمعني بدعم القضية الفلسطينية في البرلمان الإيراني، حسين شيخ الإسلام، يؤكد أن كل ما جرى تداوله عن زيارة لرئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، لإيران «عار من الصحة»، وأن ما نقل عن قيادات في السلطة بشأن ترتيبات معينة لزيارة «أبو مازن» لإيران في تشرين الأول المقبل «كلام غير دقيق»، كما لمح إلى أن «الجمهورية الإسلامية لم تتعاط إيجاباً مع طلب الزيارة».


برغم ذلك، ترى مصادر تعمل في السلك الدبلوماسي الإيراني أن الكلام الإعلامي عن استعداد طهران لاستقبال محمود عباس «نكاية» بزيارة رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، خالد مشعل، للسعودية، ليس إلا «فقاعات إعلامية»، بل إنها تصر على أن كل «الأبواب لا تزال مفتوحة أمام قيادات حماس لزيارة الجمهورية الإسلامية»، وأن الاختلاف في وجهات النظر وخاصة في الأزمة السورية «لا يفسد في ود المقاومة قضية».
تضيف هذه المصادر، المتابعة للشأن الفلسطيني، إن إيران لا تزال تلتزم «دعم خيار المقاومة وتقديم المساعدة لكل الفصائل في كفاحها المسلح ضد الكيان الإسرائيلي». وعند السؤال عن تسريبات تخص تقليل الدعم المالي عن حركات المقاومة، بما فيها «الجهاد الإسلامي»، نفت المصادر بشدة ما يقال، مؤكدة أن «الضائقة المالية التي مرت بها إيران بفعل الحصار الاقتصادي أثرت في الدعم المالي، فيما الدعم التسليحي والسياسي كان ولا يزال قائماً، وعلى أعلى المستويات».
إذاً، يمكن القول إن محمود عباس غير مرحب به في الجمهورية الإسلامية حالياً، فالرجل كان قد هاجم إيران، قبل أكثر من عام، متهماً إياها بإشعال الفتنة في المنطقة واعتبر خطرها أكبر من إسرائيل. لكن العثرة الأساسية هي اعتراف السلطة بحل الدولتين وقيام كيان إسرائيلي على الأراضي المحتلة في فلسطين، وهو أمر تراه طهران تجاوزاً لأحد أهم الخطوط الحمر التي تتبناها علانية والقائلة إن «فلسطين من البحر إلى النهر، ولا شرعية لإسرائيل على أي شبر من الأراضي الفلسطينية»، وإن «تسليح الضفة سيكون الهدف المقبل لسياسة الدعم الإيراني لقوى المقاومة».
أما الحديث عن دراسة مقترح اعتماد السفير الإيراني في الأردن، مجتبى فردوسي بور، سفيراً غير لمقيم لفلسطين، فقد رأت فيه المصادر الدبلوماسية أنه يأتي في إطار ترغيب الجمهورية الإسلامية ومحاولة لاستمالتها برد العرفان لإيران، التي أغلقت السفارة الإسرائيلية فور انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، وهي كانت آنذاك قد دعت رئيس منظمة التحرير الراحل، ياسر عرفات، ليتسلم المبنى رافعاً علم فلسطين في قلب العاصمة الإيرانية.


«أبو مازن» خلف أبواب إيران الموصدة... و«حماس» تستعجل النتيجة


القراءة المتأخرة لرام الله في نتائج الاتفاق النووي أوقعتها في الإحراج مرتين، فقد بدلت البندقية وأرادت أن تضرب بها «حماس»، الحليف المجافي في بعض سياسته لإيران. كان الجواب أنه «برغم الخلاف مع حماس، فإنها أقرب إلينا من السلطة». جوابٌ يفسر الإحراج الآخر بشماتة أصدقاء السلطة الباغضين لإيران، بقرار مجموعة «أبو مازن» طرق الأبواب الإيرانية وعدم الاستجابة لها، فالوهم بأن الاتفاق النووي سيغير سياسات إيران تجاه المقاومة أغرى بعضهم بالتقرب من الجمهورية الإسلامية، فلعل وعسى أن تسمح الظروف بحصول تسويات لفرض شروط المصالحة بين «حماس» والسلطة.
والحقيقة، أن غياب الإدراك لجوهر العلاقات بين إيران وقوى المقاومة دفع بالكثير إلى المراهنة على دور إيراني أكثر اعتدالاً، على مبدأ تسوية الخلافات بالتفاوض. ويبدو أن السلطة لم تقرأ التشدد الإيراني بضرورة بقاء النظام السوري برئيسه بشار الأسد، ولم تستمع إلى خطابات القيادة الإيرانية الداعمة لمحور الممانعة، بل إن طهران فتحت أبوابها لـ«حماس» أو بكلمات أدق، لبعض القيادات التي جافت إيران لاعتبارات تتفهمها الجمهورية الإسلامية وتغض النظر عنها، من دون أن تترك عتاب رفاق السلاح على خياراتهم غير الصحيحة، وهي خيارات يمكن أن تصحح اليوم في ظل الاندفاعة الإيرانية للمشاركة في حلول المنطقة وإعادة كل الأصدقاء لتوحيد البندقية في وجه الخطر التكفيري والإرهابي، من دون أن تغفل، طبعاً، جبهة المقاومة عن الغدر الإسرائيلي، الذي ستكون مصالحة «حماس» مع محور الممانعة أشد عليه وقعاً من صدمة الاتفاق النووي.
في المقابل (الأخبار)، لم تقدم «حماس» قراءة صحيحة لكيفية التعاطي الإيراني مع هذا الأمر؛ فبعد يوم واحد من ضجيج مواقع «حماس» بتصريحات مشابهة أدلى بها شيخ الإسلام، وتوظيف ذلك في المعركة ضد السلطة، قدم نائب رئيس المكتب السياسي للحركة، موسى أبو مرزوق، أمس، مقاربة تقول إن «التحول الأميركي نحو إيران واعتبار الأخيرة شريكاً في حل الأزمات في المنطقة» هو «ما دفع بالسلطة إلى إرسال عضو لجنتها التنفيذية (أحمد) المجدلاني لزيارة طهران والترتيب لزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لها».
ورأى أبو مرزوق أن واشنطن «تجاوزت عن سياسات إيران السابقة باعتبارها راعية للإرهاب، وخاصة في فلسطين، بدعمها لحماس وللجهاد الإسلامي وفصائل أخرى تقاوم إسرائيل»، فيما تضع إيران الآن في سلم أولوياتها محاربة الإرهاب وخاصة في العراق وسوريا، وهي نفس الأولوية التي تتبناها أميركا... ما يهمنا في هذا التغير أن لا يكون له انعكاس على الموقف من القضية الفلسطينية، وهذا ما نرجوه، رغم المرحلة التي تمر بها علاقات حماس والجهاد من جهة، والجمهورية الإسلامية من الجهة الأخرى، والتوتر المصطنع الذي لا داعي له رغم كل الذرائع التي سيقت لتبرير ذلك في الإعلام».
كذلك اعتبر القيادي الحمساوي أن ما فعلته السلطة بشأن إيران «هي نفس الخطوات التي سلكتها في سوريا بعد توتر العلاقة مع حماس، وبانتهازيتها أساءت أكثر مما أحسنت»، مراهناً على أن «التبدلات في المنطقة تتغير بسرعة كبيرة، ولم تستقر بعد».