حصلت «الأخبار» على ستّ وثائق أظهرت بيع رئيس السلطة الفلسطينية عباس 3 أراضٍ لـ«صندوق الاستثمار الفلسطيني»، بأسعار زهيدة حرمت خزانة السلطة ملايين الدنانير الأردنية. فقد أظهرت الوثائق بيع عباس لأراضٍ غير صالحة للاستعمال، بل إن بعضها صادرته سلطات الاحتلال لإنشاء تجمعات لبدو الأغوار.

ففي وثيقة تعود إلى تاريخ 29 أيلول 2009 (الوثيقة رقم 1) باع «أبو مازن»، عبر وزير سلطة الأراضي نديم براهمة (بقي في منصبه إلى ما قبل حكومة الوفاق على الأقل)، قطعة أرض تبلغ مساحتها 8 آلاف دونم في منطقة النويعمة، قضاء أريحا، لشركة «صندوق الاستثمار الفلسطيني» برئاسة محمد مصطفى، بهدف «تطوير برنامج استراتيجي كبير لإنشاء مدينة متكاملة في محيط أراضي (قرية النويعمة) بما في ذلك إنشاء المرافق التعليمية والصحية والترفيهية والحدائق العامة، بالإضافة إلى المشاريع الزراعية والإسكانية التي ستشكل مصدراً لتوفير آلاف فرص العمل لأبناء المدينة ومناطق المحافظات المجاورة».

حتى هذه اللحظة كل شيء يبدو طبيعياً، فهنا مؤسسة صارت بحكم التبعية لمنظمة التحرير (صندوق الاستثمار) تشتري من السلطة قطعة أرض لاستثمارها ولتحسين حياة الفلسطينيين في الضفة. تظهر الوثيقة تدخل عباس الغريب، فـ«بعد قيام الفريقين بتخمين قيمة الأرض، حدَّد فخامة الرئيس الثمن بمبلغ سبعة دنانير أردنية للمتر المربع الواحد»، ما يلزم «الفريق الثاني بدفع قيمة الأرض موضوع هذه الاتفاقية بقيد قيمتها البالغة (56.000.000) ستة وخمسين مليون دينار أردني لحساب خزينة السلطة الوطنية» (100 دينار أردني = 140 دولاراً أميركياً).
وكان قد سبق توقيع الاتفاقية إرسال مصطفى إلى أعضاء مجلس إدارة صندوق الاستثمار رسالة في 28/9/2009 (الوثيقة رقم 4)، طلب منهم فيها الموافقة على استملاك الأرض، مؤكداً أنه «سيتم تسديد سعرها من ديون الصندوق المستحقة بذمة السلطة... سيتم تقاص المبلغ من هذه الديون، الأمر الذي يخفف من عبء الديون المستحقة على السلطة». لكن ذلك لم يحصل، ولم يُحسَم سعر الأرض من الدين المستحق على السلطة، بل كما أظهر العقد الموقع في اليوم التالي، فإن الأموال حُولت إلى خزينة السلطة (هذا ما تظهره الوثيقة رقم 1) .
مصطفى أكد لمجلس الإدارة أن تقويم الحكومة لسعر الأرض بلغ 12 ألف دينار أردني للدونم «تم تخفيضه نتيجة لتوسط السيد الرئيس إلى 7 آلاف دينار للدونم، ويعتبر هذا استغلالاً جيداً من قبلنا لهذه الديون (التي) سيكون من الصعب جداً استردادها في المرحلة القائمة».
بذلك يكون عباس قد حرم خزانة السلطة مبلغ 40 مليون دينار بسبب توسّطه لخفض سعر الأرض. لكن، بعد مرور عامين على توقيع الاتفاقية اكتشف «صندوق الاستثمار» أنه لا يمكن استغلال الأراضي التي باعهم إياها عباس، فأرسل مصطفى في تاريخ 13/12/2011 (الوثيقة رقم 6) رسالة إلى «سيادة الرئيس محمود عباس حفظه الله، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، رئيس دولة فلسطين» طالبه فيها بتوفير قطعة أرض بديلة من أراضي النويعمة ــ أريحا.
وشكا مصطفى، الذي أظهرت رسالته تناقضاً واضحاً عما كان قد قاله لأعضاء مجلس إدارة الصندوق، إلى أبو مازن، أنه حتى عندما اشتروا الأرض بسعر 7 آلاف دينار للدونم، فإن «ثمن الدونم في السوق في تلك المنطقة أقل من ذلك بكثير، ولكن عزم الصندوق على تطوير المنطقة جعلنا هذا الأمر جانبياً».
وأكمل أن الصندوق قد اكتشف أن هناك العديد من «العقبات المرتبطة بوضع الأرض السياسي والقانوني والجغرافي تحد من إمكانية استثمار الجزء الأكبر من هذه الأرض». وشرح مصطفى لعباس أهم تلك العقبات، وهي أن «نحو 25% من الأرض فقط في منطقة مصنفة أ (أي تحت حكم السلطة)، فيما يقع كامل الجزء الآخر في منطقة ج (تحت حكم الاحتلال الإسرائيلي) ومقام عليه مستوطنة ومعسكرات ونقاط تفتيش لجيش الاحتلال، الأمر الذي استحال معه الوصول للجزء الأكبر من الأرض».
أضاف مصطفى أنه «اتضح وجود كابل ألياف ضوئية تابع للإسرائيليين يقع في الجزء الواقع من منطقة (أ) ويصل المستوطنة المقامة على الجزء الآخر، واتضح وجود مخالفات واعتداءات من ابنية ومنازل ومنشآت مقامة بصورة عشوائية على الأرض، دون أن تتمكن السلطة الوطنية (بعد عامين) من إزالة هذه المخالفات». الطريف أنه تبين أن الأرض التي باعها عباس «تفتقر إلى المياه، وجميع مقومات التنمية الزراعية، كما أن طبوغرافية الأرض تحد المساحات القابلة للتوسع العمراني وبناء المساكن»، علماً بأن الاحتلال، وفق شكاوى سابقة وجهت إلى السلطة، مسؤول عن سرقة المياه هناك.
ولزيادة الطين بلّة، «أنشأت قوات الأمن الوطني (التابعة للسلطة) ميدان رماية على جزء كبير محاذٍ لقطعة الأرض، ما يجعل المنطقة غير مرغوبة للسكن والعمل أو حتى للسياحة». ولهذه الأسباب مجتمعة، طلب مصطفى من الرئيس «التكرم بالموافقة والإيعاز لمن يلزم بتوفير أرض بديلة قابلة للتطوير سواء في منطقة الأغوار أو أي مناطق أخرى، وبنفس القيمة».


تدخل «أبو مازن»
في تحديد قيم الأمتار المربعة لأراضٍ بيعت لـ«صندوق الاستثمار»

تظهر الوثائق أن السمسرة لم تكن حكراً على قطعة أرض واحدة، بل تكشف وثيقة أخرى في 28/11/2010 (وثيقة رقم 2) بيع السلطة مجموعة من قطع الأراضي في الحوض رقم 5 ظهر عواد، من أراضي سردا قضاء رام الله، التي تبلغ مساحتها ستة وثمانين دونماً صافياً للصندوق الاستثماري.
هذه المرة أيضاً بعدما «قام الفريقان بتخمين قيمة الأرض محل هذه الاتفاقية، تم تحديد ثمن المتر المربع الواحد من قبل سيادة الرئيس بمبلغ تسعين (90) ديناراً أردنياً». ووفق الوثيقة الموقعة في 28/11/2010 فإن الصندوق سيلتزم «دفع مبلغ وقدره مليون دولار أميركي كدفعة أولى عند توقيع هذه الاتفاقية». ويلحظ أن الوثيقة لم تحدد إلى أين سيذهب المبلغ المدفوع على عكس الاتفاقات السابقة التي حولت بها الأموال إلى خزينة السلطة. كذلك (طبقاً لوثيقة رقم 3) إن السلطة باعت عدداً من الأراضي «من الحوض رقم 10 ــ الإذاعة من أراضي البيرة قضاء رام الله»، التي «تم تحديد ثمن المتر المربع الواحد من قطع الأراضي الموصوفة من قبل سيادة الرئيس بثلاثمئة دينار أردني».
وقد وعدت السلطة «صندوق الاستثمار» بأن تسلم الأرض من دون شاغليها والمخالفات الموجودة عليها، وقد اتفق الطرفان على أن تدفع الأموال «من خلال حوالة مالية إلى خزينة السلطة الوطنية الفلسطينية خلال أسبوع من تاريخ تسجيل قطع الأراضي».
في الخلاصة، فإن هذه الوثائق، حتى إن جاء كشفها متأخراً، فإنها تظهر بعض من السمسرات التي تجريها السلطة الوطنية بإشراف مباشر من الرئيس المشغول في محاربة الاستيطان وتدويل القضية، علماً بأن «صندوق الاستثمار الفلسطيني» الذي يفترض أن يكون مستقلاً ويشغل أموال الفلسطينيين هو من أهم المتبرعين لمشاريع محمود عباس في الداخل والشتات، كما يساهم بكثرة في الصناديق التي فتحها عباس باسمه.

■ للاطلاع على كامل الوثائق في ملف واحد انقر هنا