بداية مع المفاجأة التي عبّر عنها غالبية المحللين الصحافيين. مفاجأة اسمها «الجامعة العربية»، إذ دُهش هؤلاء بـ«الصدفة الفارغة» من المنظمة التي طالما اعتبروها «من غبار» «لا طعم لها ولا أهمية لقراراتها»، ها هي تتحرك وتنطق بقرارات مصعدة ضد النظام السوري. طبعاً، لم يخفَ عن هؤلاء التذكير بأن تلك «الجامعة العربية» هي نفسها التي لم تتحرك خلال سحق النظام البحريني، بمساندة عسكرية من المملكة العربية السعودية، المتظاهرين في البحرين، والتي لم تتخذ حتى الآن أي قرارات قاسية بحق الرئيس اليمني رغم قمعه تحركات المعارضين بالرصاص والقوة أيضاً.


لكن، مع ذلك، حيّا الجميع موقف الجامعة وطالبوها بالمزيد. وحدها افتتاحية «نيويورك تايمز» اختارت أن تجاهر بدعمها وحفاظها على بعض الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة في العالم العربي، والتي تنضوي تحت لواء الجامعة العربية، فقالت: «نعلم أن أنظمة مستبدة تسيطر على الجامعة. لكن هؤلاء يجب على الأقل أن يدركوا أين هي مصالحهم الشخصية. فاستمرار حالة اللااستقرار في سوريا سيهدد المنطقة بأكملها». الصحيفة الأميركية دعت جيران سوريا «وكل الدول المتحضّرة» إلى الوقوف إلى جانب الشعب السوري «قبل فوات الأوان».
لكن مفاجأة الجامعة العربية كان لها تفسيرات صحافية. فهي حسب معظم الذين حللوا موقفها الأخير من سوريا أقدمت على التصعيد لأسباب محددة هي: «التخلص من نظام علوي في سوريا وسط أكثرية دول سنيّة في المنطقة، التخلص من أحد ركائز إيران في المنطقة إذا ردع التقدم الشيعي الايراني في العالم العربي وبالتالي إنهاء محور إيران ـــ سوريا ـــ حزب الله المؤرق لغالبية الأنظمة الخليجية. إضافة إلى سبب آخر هو الارتقاء إلى مستوى تركيا في التصعيد ضد سوريا وتسجيل موقف عربي مزايد يرضي الأوروبيين والأميركيين». هذا ما جاء في مقالي صحيفتي «ليبيراسيون» و«لو نوفيل أوبسرفاتور» الفرنسييتين. وقد لفت مقال «ليبيراسيون» إلى أن المملكة العربية السعودية «تحلم بأن تقوم الولايات المتحدة الأميركية أو حتى إسرائيل بقصف المنشآت النووية الإيرانية»، فلماذا لا تضغط الآن، إلى جانبها قطر، لإنهاء أحد أهمّ ركائز إيران في المنطقة؟ التخلص من النظام السوري سيكون للدول العربية «كضرب عصفورين بحجر واحد»، إذ ستكتسب بعض الأنظمة، ولو ظاهرياً، رضى شعوبها، وستشلّ النظام الإيراني، كما يشرح بيرنار غيتا في تعليقه.

«مجموعة الاتصال حول سوريا»

وإلى جانب المحتفلين بقرار عزل الأسد عربياً، استمرت الدعوات للجوء إلى التدخل العسكري في سوريا، كما كتبت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية في إحدى افتتاحياتها تقول: «إذا لم تنجح العقوبات المتزايدة والمراقبون الدوليون في تنفيذ التعهدات حيال سوريا، فإن إدارة أوباما ستكون مجبرة على اتخاذ تدابير أقوى». لكن صحيفة «لوس أنجلس تايمز» تقول، بدورها، إن «إزاحة الأسد ليست أمراً سهلاً. وأمر عزله عربياً ودولياً قد يقوّيه مرحلياً ويعطيه فرصة لتنفيذ الإصلاحات، ما دام لم يقترح أحد بعد ضربات جوية أطلسية كما حصل في ليبيا. فالعقوبات تأخذ وقتاً لتعطي نتائج ملموسة. لكن إذا أضفنا إليها الضغوط العربية، فقد يتوصل الأسد إلى الأخذ بنصيحة الملك الأردني (بالتنحّي)».
محلل «مجلس العلاقات الخارجية»، ميكا زنكو، يقول إن «سوء إدارة المجتمع الدولي لعملية التدخل في ليبيا والمبالغة فيها قتلا فرص الأطلسي في قيادة عملية إنسانية مماثلة في سوريا». المجلس ينقل عن صحيفة «ذي ناشيونال» الإماراتية أنه يجب على دول الجامعة العربية أن تفي بوعودها لفرض عقوبات «على القروض المالية والتجارة والنفط» أو «الاعتراف بالمجلس الوطني ممثلاً للشعب السوري». لكن ماذا عن الولايات المتحدة الأميركية؟ ما هي خياراتها تجاه الأزمة حالياً؟ جوناثان ماسترز في «مجلس العلاقات الخارجية» يذكّر بالخطة التي طرحها إليوت أبرامز (راجع «الأخبار» عدد الاثنين ١٤ تشرين الثاني)، أما أندرو تابلر من «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، فقد أدلى بشهادة أمام «لجنة العلاقات الخارجية» في الكونغرس أخيراً، وتقدم بمجموعة خيارات أمام الإدارة الأميركية في سوريا منها: تأليف «مجموعة الاتصال حول سوريا» (على غرار مجموعة الاتصال حول ليبيا)، تشجيع المنشقين عن النظام، مساعدة المعارضة السورية على التخطيط للمستقبل، طلب مراقبين لقضايا حقوق الإنسان، التهيّؤ لعسكرة الأزمة، والضغط في مجلس الأمن من أجل التحرك.

تركيا من حسن الجوار إلى العداء

ماذا عن تركيا؟ وكيف قرأ المتابعون موقفها التصعيدي الأخير من النظام السوري؟ «ها قد حان الوقت لتصبح تركيا قوة عظمى في المنطقة»، يقول سونير كاغابتاي المتخصص في الشؤون التركية في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى». كاغابتاي يشرح أن تركيا تعتمد الآن «سياسة جديدة في المنطقة بالتخلي عن دعمها للأنظمة الديكتاتورية، ومن بينها نظام الأسد، والوقوف إلى جانب الحركات الديموقراطية، وهذا ما سيعطيها دوراً قيادياً في المنطقة». لكن الباحث يشير إلى التحديات التي تمثّلها إيران في وجه الطموحات التركية.
مصطفى أكيول، الصحافي التركي، يقول في «نقاش نيويورك تايمز» المخصص لبحث موقف تركيا من سوريا، إن شعار السياسة الخارجية لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم طالما كان «صفر مشاكل مع الجيران». لكن هذا الشعار لم يعد يتناسب، حسب الكاتب، مع دعم تركيا لبشار الأسد، «لذا فقد تحول الموقف التركي الرسمي إلى دعم المعارضة السورية وإشهار العداء للأسد». فحزب رجب طيب أردوغان، يضيف أكيول، «يفتخر بتقديم نفسه كقوة ديموقراطية استطاعت كسر عقود من حكم العسكر، وهو يتباهى بكون بعض الديموقراطيات، وخصوصاً الإسلامية الناشئة منها كحزب «النهضة» التونسي، معجبة بنماذجه».
كيف ستتصرف تركيا على الأرض إذاً؟ يرى كريستوف بولتانسكي في «لو نوفيل أوبسيرفاتور» أن «تركيا انتقلت إلى العداء المفتوح تجاه سوريا. فهي رغم علاقاتها التجارية الكبيرة معها، هددت بفرض عقوبات. ورغم قلقها على جبهتها الكردية الجنوبية، تسعى إلى إنشاء منطقة عازلة عسكرية مع الحدود السورية». بولتانسكي يذكّر بأنه عام ١٩٩٨ ما كان أمام حافظ الأسد سوى تسليم عبد الله أوجلان، بعدما هدّدت تركيا بـ«غزو سوريا». سيمون تيسدال في «ذي غارديان» يلفت الى الدعم الأميركي الذي يحظى به الموقف التركي. «فتركيا تمثل الولايات المتحدة الأميركية محلياً في وجه روسيا التي تدعم النظام السوري»، يشير تيسدال، مذكّراً بترحيب نائب مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي بالموقف التركي الأخير. الصحافي البريطاني لا يستبعد «تدخل تركيا عسكرياً في شمال سوريا لتأمين منطقة آمنة للمدنيين اللاجئين»، علماً بأن تركيا تدرك تماماً «تداعيات الفوضى في سوريا التي ستنتقل لا محالة إلى العراق والبلدان المجاورة وتحرّك إيران».
«عكس معظم الدول الإسلامية في المنطقة، تركيا تتعاون مع أوروبا والولايات المتحدة والحلف الأطلسي. كذلك فإن نموذج الإسلام المعتدل بات مقبولاً لدى هؤلاء، ما يعطي تركيا قوة إضافية للتأثير في المنطقة»، ينقل تيسدال عن صحيفة «زمان» التركية.




عين على الأكراد

«من المؤكد أن تحرّك سوريا وإيران جبهة حزب العمال الكردستاني في الجنوب التركي للضغط على القرارات التركية»، تقول الباحثة لينور مارتن على طاولة نقاش «نيويورك تايمز». لكن الباحثة تدعو تركيا إلى مواجهة الأمر عبر انتهاج «سياسة صفر مشاكل مع الجيران» ـــ التي فشلت تجاه سوريا ـــ مع المنطقة الكردية جنوباً. تلوم الباحثة السلطات التركية على التخلي عن تلبية الحاجات الاقتصادية والإنمائية لسكان تلك المنطقة، ما سيؤثر سلباً على علاقتها بهم في الظروف الحالية.
مايكل ويس في «ذي نيو ريبابليك» يسلط الضوء من جهته على أهمية انضمام أكراد سوريا إلى الحراك المعارض، نظراً إلى عددهم وانتشارهم في أنحاء سوريا كلها. ويس يدعو المجلس الوطني إلى الاتصال بأكبر عدد من الأكراد في البلاد وتقديم كل الدعم لهم وتوفير الضمانات بحمايتهم وتلبية مطالبهم بعد إسقاط النظام، خصوصاً تلك المتعلقة بنسبة تمثيلهم في المؤسسات الرسمية الجديدة.