يبدو أن فترة الشهر التي حددتها خطة المجلس الوطني الانتقالي لتأليف حكومة مؤقتة قد شارفت على الانتهاء، لكن إذا صحت تصريحات المتحدث باسم المجلس عبد الحفيظ غوقة، فإن الحكومة ستبصر النور غداً الأحد، وستُعرض تشكيلتها على المجلس للحصول على الثقة.

وفيما لو نجحت السلطة الحالية في التفاهم مع القادة الميدانيين في إعلان الحكومة العتيدة، فإن الليبيين يكونون قد تجاوزوا العقبة الأولى على طريق تحقيق الحياة السياسية الديموقراطية التي افتقدوها طوال نيف وأربعة عقود حكم خلالها العقيد الراحل معمر القذافي. لكن ثمة إشكالية أساسية تُطلّ برأسها من خلف كواليس التفاهم النسبي الظاهر بين الأقطاب، هي ذاك الصراع بين شخصيات سياسية أُنيطت بها وظيفة تركيب المؤسسات وفق جدول أعمال الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وبين شخصيات أخرى تحاول التوفيق بين علاقات جيدة تعتمد البراغماتية مع الغرب، وفي الوقت نفسه الحفاظ على سيادة البلاد وإبعادها عن تدخّل الدول التي أسهمت في عملية التخلص من النظام السابق.
المجموعة الثانية التي يمكن وصفها بالوطنية، والتي تضم قوميّين ويساريّين وإسلاميّين ومستقليّن، ربحت الجولة الأولى عبر تكليف عبد الرحيم الكيب بتأليف الحكومة، وهو رجل أعمال وسطي تكنوقراطي مقبول ـــ على ما يبدو ـــ من غالبية التيارات الفاعلة على الساحة، وربما من الدول المؤثرة في صناعة القرار الليبي. لكن الجولة الثانية كانت لمصلحة أتباع أميركا في ليبيا، مع اختيار العقيد الركن خليفة بلقاسم حفتر، رجل واشنطن الأول في المجلس الانتقالي، رئيساً لأركان الجيش الوطني الليبي الذي يجري إنشاؤه حالياً. ولمن لا يعرف حفتر، فقد كان ضابطاً في جيش القذافي إلى أن تبرّأ منه هذا الأخير خلال حربه مع تشاد في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. فانشقّ حفتر عن النظام إلى جانب المعارضة، وألّف «الجيش الوطني» خلال أسره في تشاد، ثم انتقل وعاش فترة في الولايات المتحدة، قبل عودته وانضمامه إلى صفوف قوات المجلس الانتقالي في أعقاب اشتعال الانتفاضة ضد القذافي في شباط الماضي.
ولاختيار حفتر دلالات عديدة، فقد عُرف عن الرجل المنتمي إلى قبيلة الفرجان (من أكبر القبائل الليبية ولها وجود في سرت)، صراعه الشرس على قيادة «جيش التحرير» التابع للمجلس الانتقالي مع اللواء الراحل عبد الفتاح يونس، ذي التوجه القومي، وهو من قبيلة العبيدات (القبيلة الأكبر في بنغازي).
لعل أبرز الدلالات أن اغتيال الجنرال يونس في نهاية تموز الماضي على أيدي فئة لم يُكشف النقاب عنها حتى الآن، رغم اتهام إسلاميين بالعملية، قد أفسح المجال، ولو بعد حين، أمام تبوّء حفتر المنصب الأعلى للقوات المسلحة، وهو الذي تقول عنه تقارير عديدة إنه عميل لوكالة الاستخبارات الأميركية «سي آي إيه»، وإنها هي من أعادته الى ليبيا ما بعد القذافي للقيام بدور يخدم مصالحها.
وفيما لو تسلم الزعيم السابق للجماعة الإسلامية المقاتلة عبد الحكيم بلحاج وزارة الدفاع، فإن طبيعة العلاقة مع قيادة الجيش لن تكون صحيّة تماماً. لعل أول الغيث تجلّى منذ أيام مع فشل الاجتماع الأول الذي عُقد في بنغازي (شرق) في الوصول إلى اتفاق على اختيار رئيس أركان. في هذا الاجتماع سادت الفوضى بسبب مشاركة عدد كبير من ضباط الجيش الليبي الذين اعترض الثوار على وجودهم. لكن نحو 150 ضابطاً من الجيش حسموا الأمر في اليوم الثاني، واختاروا حفتر لهذه المهمة خلال اجتماع في مدينة البيضاء (شرق ليبيا أيضاً).
المفارقة هنا هي إعادة إعطاء الدور للجيش في قرارات حسّاسة لاختيار من كان يُعتبر في نظر المؤسسة العسكرية أيام القذافي، خائناً وعميلاً. ولعل النقطة الأهم هي التمهيد لتوظيف الجيش في حرب قد تكون طويلة مع ما يسمّى الإرهاب الإسلامي في الساحل الأفريقي، وقد يكون هناك محاولة لإسقاط النموذج الباكستاني في خلق زواج مصلحة بين الجيش والإسلاميين لحكم البلاد.
مؤشرات هذا التمهيد تعيد استحضار فكرة تحويل الهضبة الأفريقية إلى قاعدة لحلف شمالي الأطلسي تحت شعار محاربة الإرهاب في شمال أفريقيا ومناطق الساحل وصولاً إلى الصومال. فالتقارير كثيرة، وأصبحت شبه يومية، تلك التي تخرج يومياً عن دوائر الاستخبارات الغربية وتنشرها كبريات الصحف العالمية عن سرقة وفقدان كميات كبيرة من الأسلحة الخطيرة والصواريخ المضادة للطائرات من مخازن الجيش الليبي ووصولها إلى الناشطين الإسلاميين في مالي والجزائر والنيجر إلخ، والمجال الحيوي لتنظيم القاعدة.
تعزيز «نظرية المؤامرة» الإرهابية التي باتت بمثابة فزّاعة تُستخدم ذريعة للتدخل في شؤون البلاد، على غرار اليمن وباكستان، يحصل من خلال تصريحات عديدة كان آخرها كلام منسّق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية السفير دانيال بنيامين، الأربعاء الماضي، في مؤتمر في الجزائر، عن أن «التهديد الإرهابي أصبح أكثر تعقيداً مع بعض التغييرات التي تشهدها المنطقة، ولا سيما في الدولة المجاورة ليبيا». بنيامين الذي كان يتحدث في افتتاح أعمال مجموعة العمل المُكلّفة تعزيز قدرات منطقة الساحل، كان واضحاً في تشديده على أن «الحاجة إلى بناء شراكات وتعاون لمواجهة التحديات في هذه المنطقة أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى».
الجزائر التي استضافت في 7 و8 أيلول الماضي ندوة عن مكافحة الإرهاب والجريمة المُنظمة والتنمية في منطقة الساحل، حملت قضية السلاح وفلول النظام الليبي السابق الذين دخلوا أراضيها، إلى الدوحة، حيث التقى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة برئيس المجلس الليبي مصطفى عبد الجليل، هذا الأسبوع، وبحثا التحديات التي قد تكون الأكثر إلحاحاً أمام الحكومة الليبية الموعودة، نظراً إلى إمكان استخدام هذه القضية في بازار تحويل ليبيا إلى قاعدة أطلسية كبرى.