تنفض عدن الغبار عنها، بعدما عاشت ليالي أشبه بحفلات «جهنم». أرادت السعودية دخول الجنوب بأي وسيلة وثمن، فكانت خطة «السهم الذهبي» التي تخللها إمطار عدن بأكثر من 400 غارة، واستهدافها بمئات الصورايخ عبر البوارج من البحر، خلال 24 ساعة فقط. بهذه الطريقة، دخلت القوات الإماراتية ومدرعاتها إلى عدن، قبل أن يحوّلها التحالف الذي تقوده السعودية إلى أكوام من الركام، لم يبقَ فيها أي مؤسسة حكومية إلا سوّيت بالأرض. وحتى الأمس القريب، ظلّت النيران تلتهم المؤسسات والمنازل، حتى إن الهواء في عدن امتزج برائحة البارود والسموم.


يعاني الجنوب اليمني عموماً، وعدن تحديداً، من أوضاع مأسوية. ومن ركام عملية «السهم الذهبي» التي مكّنت التحالف من السيطرة على عدن، خرجت جماعات مسلحة متطرفة، كانت قد اتفقت في ظلّ المعارك في الوقوف صفاً واحداً لمواجهة «أنصار الله» والجيش اليمني. وما إن انتهت المعارك هناك، حتى بدا واضحاً أن «العقد» بينها انتهى مفعوله. الاتفاق بين تلك الجماعات يحمل من الأساس كماً هائلاً من التناقضات، في وقتٍ من المعروف فيه أن مزاج أهل الجنوب ذوي التوجه اليساري في غالبيتهم، من الصعب أن ينسجم مع أصحاب الفكر الوهابي أو مع من يرفعون راية التكفير. كذلك، هم ليسوا بوارد تقبل الرئيس عبد ربه منصور هادي الذي قاتلهم وسجنهم ــ يوم كان وزيراً للدفاع ــ وأنهى حلمهم بالانفصال عام 1994.


فتحت الإمارات باب
التطوع في الشرطة لبناء
جهازها الخاص في عدن

تتعدد الفصائل والتنظيمات المسلحة في عدن والجنوب، ويمكن حصرها بثمانية فصائل بارزة، وهي:
أولاً، تنظيم «القاعدة». قاتل التنظيم إلى جانب قوات «التحالف» ضد الجيش و«أنصار الله» في عدن، قبل أن يدبّ الخلاف بين الطرفين في معركة أبيَن. إذ إن «القاعدة» يعتبر هذه المحافظة إحدى إماراته ويرفض إعطاء التحالف موطئ قدم فيها. أمرٌ لم تقبله السعودية التي أغارت على مقاتلي التنظيم في منطقة العلم، على طريق عدن ــ أبيَن، وقتلت ثمانية منهم لإعادتهم إلى «بيت الطاعة». حالياً، ينتشر مسلحو «القاعدة» في أحياء مدينة عدن وفي محافظتي شبوة وحضرموت بشكل أساسي، ويقال إن محمد باطرفي، أحد أبرز قادة «القاعدة»، يتولى قيادة التنظيم من مدينة المكلا في حضرموت حالياً.
ثانياً، تنظيم «أنصار الشريعة» يتمتع بنفوذ يوازي إلى حد ما نفوذ «القاعدة»، ولديه مئات المقاتلين. بايع زعيمه جلال بلعيدي تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش)، لكن الخلافات لا تزال على المناصب القيادية. وحشية هذا التنظيم في قتل وذبح وسحل جنود الجيش وعناصر «أنصار الله» لا تختلف عن تلك التي عُرف بها «داعش»، وكأنه يمهد لإعلان المبايعة لأبي بكر البغدادي وتأسيس إمارته في الجنوب اليمني.
ثالثاً، القوات الموالية للرئيس الفار عبد ربه منصور هادي، وهي قوات لا تتمتع بنفوذ عسكري حقيقي. قواتها محدودة جداً في عدن، لكنها تتمتع بنفوذ لدى السلطات المحلية، وتكمن نقطة قوتها في أنها تمسك بالمطار وبالميناء في عدن، بمشاركة القوات الإماراتية.
خامساً، السلفيون. لا ينتمي هؤلاء إلى «القاعدة»، ولا يرفعون رايتها، لكنهم يحملون الفكر الوهابي نفسه. يقودهم شخص يدعى خالد الريمي، مرتبط مباشرةً بالإمارات، وكذلك بالرياض عبر بعض المشايخ الذين عادوا من السعودية إلى عدن، حيث يتمتعون بثقل عسكري وكذلك في غيرها من المحافظات.
خامساً، القوات الإماراتية. وهي تعد نحو ألفي جندي مجهزين بأحدث المعدات والمدرعات والدبابات. يتمركزون بمفردهم من دون أي فريق آخر في مدينة البريقة. قاعدتهم العسكرية مزودة بتقنيات متطورة وتعمل عبر الأقمار الاصطناعية.
سادساً، «الحراك الجنوبي». وهو الفريق الأساسي على الأرض وصاحب الشعبية الكبرى بين المواطنين، لكن ينقصه التمويل المادي والسلاح والتنظيم الميداني والسياسي، ورغم ذلك تمكن قبل أيام قليلة من السيطرة على أجزاء مهمة من عدن، في هجوم مضاد أربك القوات الإماراتية والمجموعات الأخرى.
سابعاً، تنظيم «داعش». وصل إلى عدن بعدما أسس أرضية له في حضرموت. يتخذ من القصر الرئاسي في التواهي مقراً له، ويعمل حالياً على تجنيد الشباب، واستقطاب المقاتلين من المجموعات المتطرفة الأخرى. وجوده ليس كبيراً على الأرض، لكن تجربته في سوريا والعراق تعطي انطباعاً عن طريقة عمل هذا التنظيم عندما تغيب الدولة.
ثامناً، حزب «التجمع اليمني للإصلاح» (الإخوان المسلمون). قوته الأساسية في تعز، بعدما فكك «أنصار الله» سلطته في العاصمة صنعاء وباقي محافظات الشمال. يجمع الحزب قبيلة آل الأحمر والإخوانيين إلى جانب سلفيين. مزيج «غريب» كوّنه علي عبدالله الأحمر ويديره علي محسن الأحمر الهارب في السعودية. يقاتل الحزب بشراسة ويرتكب المجازر ويمارس السحل والذبح على طريقة التكفيريين، آخرها ما شهدته تعز في اليومين الماضيين.
بواسطة هذه القوى، نجح «السهم الذهبي» لقوات التحالف في الدخول إلى عدن وأخرج «أنصار الله» والجيش اليمني من المشهد في هذه المحافظة. كان يفترض بهذه العملية أن تكمل إلى باقي محافظات الجنوب حتى تصل إلى العاصمة. هذا هو مخطط الرياض في حربها على اليمن، حيث إن «استعادة الشرعية» تعني استعادة صنعاء وإنهاء ما تسميه «تمرد» حركة «أنصار الله». ولكن يبدو أن قوى «السهم الذهبي» بدأت تتكسر على أرض عدن، حيث خرجت الفصائل من الخندق الذي جمعها بحثاً عن توسيع رقعة نفوذها على حساب الآخرين.
يزداد التوتر بين هذه القوى يومياً، وتشحنه التصرفات على الأرض. فالموالون لهادي بيدهم الحلّ والربط في كل ما يتعلق بإدخال المواد الإغاثية برّاً وجوّاً، وهم يوزعونها وفقاً لحساباتهم. القوات الإماراتية، بغرض تحصين وجودها، فتحت باب التطوع في الشرطة. تريد على ما يبدو بناء جهازها الخاص في عدن قبل أن تتفرغ للأعمال الاستثمارية في المحافظة الجنوبية.
أما «الحراك الجنوبي» فقد وجد نفسه وحيداً في الجنوب، في وقتٍ أحكم فيه المتطرفون السيطرة على أحياء كاملة وأغلقوها بحواجزهم وعسكرهم. اتخذ «الحراك»، وفقاً لمصادر قيادية قراراً بعدم الاشتباك مع أحد. هو يعتبر أن الوقت الحالي ليس لفتح جبهات جانبية قبل استكمال السيطرة على الجنوب. ويستغل الموالون لهادي هذه النقطة ليوسّعوا نفوذهم في الإدارات والمؤسسات الحكومية، فيما يزداد السخط الشعبي عليهم.
يوحي الوضع في عدن بأنه قابل للانفجار في أي لحظة. وإذا انفجر فسنكون أمام «صوملة» و«سورنة» و»عرقنة» للجنوب اليمني.