سمّاقيّة أم شوكولا؟



غزة ــ تغريد عطا الله
أكره الطقوس العائلية، وخاصة تلك التي تتطلب مني شخصياً أن أشمر عن ساعديّ لأمضي يوم الإجازة في المطبخ مع من وقعت عليه مهمة إعداد الأطباق المرتبطة بتلك المناسبات، وهي أطباق فلسطينية تقليدية، تستلزم وقتاً لم يعد متوافراً في عالم اليوم إلا في الإجازات! فهل يبقى هذا سراً بيننا؟! نعم ... سمّاقية العيد، عيد الأضحى تحديداً، هي واحدة من تلك الطقوس التي لا يزال يمارسها معظم الفلسطينيين. وفي الحقيقة، إنني أكرهها هي وكل متطلبات إعدادها الطويلة العريضة: من فرم البصل الى سحق الثوم وفرم السلق وشراء الللحمة وإعدادها، يا إلهي. من أين أبدأ موّال النميمة عليها؟!
صبيحة يوم وقفة عرفة الأخيرة، قبل حلول العيد، بدأت الاستعدادات لوليمة «سمّاقية» في بيت العائلة الغزاوية، وهو طقس يمارس في معظم بيوت قطاع غزة. الجميع كباراً وأطفالاً توافدوا نحو المطبخ، منهم للعمل ومنهم للفرجة أو تسقّط فرصة للمشاركة في الطقوس التي سينقلونها حتماً إلى الأجيال المقبلة. أسمعهم من أسفل غطاء النوم يتحدثون بصوت منخفض حيناً، ومرتفع حيناً آخر، بين كل تلك الأصوات تلعلع «طرقات» السكاكين فوق قطع الفرم البلاستيكية، كان النوم المتلذذ بيوم إجازة وقفة عرفة يقاوم كل محاولات طرده من الجفون البشرية، يسبّ ويلعن مخترع «السمّاقية» ومكتشفها، كان السؤال الأهم حينها: كيف يمكن التهرب من يوم شاق كهذا؟ أيّ حجة يمكنني استخدامها لأنقذ نفسي من حفلة «السماقية». الجواب أطلّ من باب غرفتي سريعاً على هيئة صراخ ابن أخي حمّود، ذي الخمسة أعوام: «بدنا نطبخ سماقيّة يا عمتو، يلّا قومي ساعدي ستي». الأهمّ أنّه بصراخ «حمّود» أو بدونه، لم يكن سهلاً ادّعاء النوم لثلاث ساعات متواصلة للهروب من ورشة السمّاقية. ورغم أنّي كنت أتخيل المشهد من خلال الأصوات التي سمعتها، إلا أنّي فوجئت بعدد من أبناء إخوتي الصغار الدائرين يميناً وشمالاً حول أمي، يهللون بنبرات ضاحكة لبعضهم البعض: «والله ستي بتعمل سمّاقية»، ترد شقيقتهم صبا: «بدي أساعد ستي عشان آكل أول وحدة من السمّاقية»، يتسابق معها شقيقها عبود: «صدّقيني، قبلك رح آكل، هياني رايح أجيب البصل لستّي، أنا أكتر واحد عمال ساعدها»، أتأملهم، أفكّر بيني وبين نفسي إن كان أولئك الأطفال بأعمار تقل عن الثامنة يتذكرون مذاق السمّاقية التي لم تطهها أمي للعائلة منذ عام وأكثر، ربما منذ العيد الماضي؟ جاء رد ندى ذات الأعوام الأربعة تلقائياً للغاية: «آه يا عمتو زاكية (لذيذة) كتير والله»، كأنّها تتذوقها ليلاً ونهاراً بديلاً من الآندومي والشيبسي! ضحكات الجميع المشغولين في إعداد الوليمة وآراء أولئك الأطفال خلقت أجواء عيد مفرحة، وذلك قبل حلول العيد بيوم، فهل تلك الأجواء المزعجة ـــــ لي ـــــ هي تحديداً التي تحبب الأطفال في «السمّاقية»؟ بفضول الأطفال سأل أحمد جدته، لماذا سُمّيت السمّاقية بهذا الاسم؟ فضحكت أمي وأجابته: «عشان بنحط كتير سمّاق عليها»، وأكملت فرم السلق، يذهب أحمد ويأتي أسعد وسامي، يتساءلان بلا توقف: «الحمص زاكي ولا مش زاكي؟ وقديش بدنا ناكل منها كتير أو شوي؟ بالليل يا ستي؟ قديش صحون بدك تعطي لماما؟ صحنين؟ بدك تعمليها بتحرق كتير؟ خليها بتحرقش كتير ... آه ستي؟ اتعبتي يا ستي صح؟»، وأسئلة لا حصر لها تحوّلت نحوي فجأة: «يلا صورينا عمتو». يا إلهي كم أحب أولئك الصغار، وكيف وجدوا لي مخرجاً أكثر راحة من الفرم والتقليب والطبخ وتلبية طلبات أمي! سريعاً، بدأت بتوثيق مرحلة الانتقال من إعداد الوليمة إلى «تخليدها» بتصوير عملية الطهو بالكاميرا، حيث بدأت الطرائف حينما استعدت صبا وحمود لحمل الأطباق البلاستيكية إلى أن وقعا بها فوق السلالم. محمد حمل ملاعق التقليب الكبيرة، وأخذ يقلّب الهواء بيديه، كأنه يطبخ السماقية في «طنجرة» وهمية، ملاك حملت وعاء البصل، عبود حمل وعاء السمّاق مترنحاً يميناً وشمالاً، فيما وجوههم جميعاً مهيأة للقطات تصويرية، ما منح الأجواء منحىً فنتازياً للغاية. تأتي لحظة التقليب، تتلمّظ شفاه الصغار والكبار عن قرب وعن بعد، تُسكب السمّاقية في أطباق بلاستيكية، تصفّ جانباً الواحد بعد الآخر، فيما تلاحقها النظرات النهمة. الأهم في تلك اللحظة أن صيام يوم وقفة عرفة فتح المجال واسعاً أمام الأطفال غير الصائمين لأخذ دور متقدم في تذوّق السمّاقية العجيبة قبلنا، كلّ منهم يحمل وعاءه ويصرخ: «يلا يا ستي».
المشهد النهائي: كلٌّ منفرد بطبقه في زاوية مشمّر عن ساعديه، يلتهم طبقه بشراهة عجيبة، تدفع المشاهد الحائر في لون السمّاقية الذي يشبه لون الشوكولا إلى التساؤل عن طعم هذا الطبق الذي يلتهمه الأولاد كما لو كان من الشوكولا الخالصة التي يحبها الأطفال.