إذا كانت القضية الفلسطينية نفسها موضع خلاف بين اللبنانيين لجهة الوقوف الى جانبها او ضدها، حسب الخنادق الأيديولوجية الطائفية المعقدة، فإن مسألة اللاجئين الفلسطينيين تعد عقدة العقد التي يختلفون حولها حد القطيعة، خصوصا بعد ما تراكم بين الفلسطينيين واللبنانيين من تاريخ لا يرغب البعض، من الجهتين، باستعادته، وإن كانت ذكراه ماثلة امام ناظريه. ففيما يرى البعض الفلسطيني زائراً غير مرغوبٍ فيه، يرى آخرون أنه ضيفٌ يجب إكرامه وعدّه من أهل البلد، ولو مؤقتاً، نظرا للمدة التي أجبروا على المكوث فيها هنا. يرى مؤيدو الرأي الأول أنهم يشاركون اللبناني، رغماً عنه، لقمة عيش يحصل عليها هو بشق الأنفس. في المقابل، يستند أصحاب الرأي الأخير إلى أن مجرد دخول الفلسطيني في الضمان الاختياري لن يحوّله إلى عدو. كما أن منحه الحق في العمل لن يكون المسبب الأول للبطالة وهجرة الشباب اللبناني. فالسياسات الاجتماعية للدولة، كانت ولا تزال، السبّاقة في هذا المجال.

يستسهل لبنانيون كُثر إطلاق أوصاف، أقل ما يمكن أن يقال فيها أنها غير لائقة تجاه أي إنسان، فكيف إذا كان الموصوف فلسطينياً؟ فاللاجئون الفلسطينيون بنظر شريحة واسعة من اللبنانيين يعيشون في «بؤر مرعبة» تسمى «مخيمات» تغص بالسلاح المهيأ دوماً للقتل. مخيمات وُجدت رغماً عن أهل لبنان، وتستمر جزراً معزولة خارجة عن سلطة الدولة بحسب مواقف كثيرين.
تشكل هذه المخيمات إذا حالة رعبٍ لكثيرين منهم. فقدما جورج مثلاً، الذي يقطن في منطقة أنطلياس والمتبني لشعار أنتم الأرزة ونحن خطها الأحمر، لم تطأا يوماً أرض مخيم ضبيه الذي يبعد مجرد أمتاراً قليلة عن مكان سكنه. ليس هذا فحسب، فالقواتي العنيد، كما يحب أن ينادى، يرفض التعرف إلى أي فلسطيني كي يحافظ على مسافة «تجعله بعيداً عن المشاكل». أما إذا صدف والتقى بشخص علم لاحقاً أنه فلسطيني فإنه يقطع علاقته به على الفور! يرى جورج أن ذلك يحافظ على صورته في محيطه الرافض لأي علاقة «معهم». موقف جورج يجابه بالرفض من قبل كميل، المسيحي المعتدل، الذي يرى أن للفلسطينيين حق الوجود في لبنان مثلهم «مثل أي أجنبي»، لكنه يقرن ذلك بشرط تخليهم عن السلاح: «نعطيهم حق العيش على أرضنا، لكن يجب أن يكونوا مسالمين كأي جالية أخرى». أما في ما يتعلق «بتملكهم على أرضنا»، فيرى كميل، الذي يلف يده بخيط برتقالي وتتدلى من رقبته صورة الجنرال ميشال عون، أن على القانون اللبناني أن يمنع حق التملك، ليس على الفلسطيني فحسب، بل على الجميع، قاصداً الاجانب. ويخص بذلك الخليجيين الذين «سيستولون على لبنان عما قريب إذا استمرّت وتيرة شرائهم للأراضي على ما هي عليه». وجود الفلسطيني في لبنان أمرٌ مفروغٌ منه بالنسبة إلى كميل، لكنه يرفض أن يُمنح حق العمل في كل المهن لأن ذلك يضيّق فرص العمل أمام اللبناني. ويسأل كميل: «لماذا لا يمتهن الفلسطيني الأعمال التي يقوم بها السوري والمصري». فهو لم ير يوماً فلسطينياً يعمل في محطة بنزين، علماً أن العديد من المغتربين اللبنانيين بدأوا عملهم في محطات بنزين في بلاد الهجرة.
لكل شخص نظرته الخاصة تجاه مسألة اللاجئين الفلسطينيين التي إما تكون قد تكوّنت عن قناعة أو اكتسبها صاحبها من محيطه وأهله. فالفلسطيني كان دوماً «عدو المسيحي وصديق المسلم» بحسب ما يردده كثيرون من سكان المنطقة الشرقية. فالمقاتلون المسلمون الذين شاركوا في الحرب الأهلية اللبنانية تدربوا على أيدي الفدائيين الفلسطينيين. المعادلات قد تتغير، إنما تبقى النظرة المتعالية لفريق من اللبنانيين هي السائدة. فماريان، التي تصنف نفسها مسيحية متطرفة، تحمل موقفاً رافضاً «للتعاطف مع الفلسطينين الذين لا يتعاطفون مع انفسهم». فهي ترى أن سلوكهم في لبنان لا يدل على أنهم يريدون العودة إلى ديارهم. اما كيف ذلك؟ فتقول إنهم «لا يفوتون فرصة إلا ويطالبون فيها بحقوق لا ينالها اللبنانيون أنفسهم لما في بلدهم من محسوبيات»! بنظر هذه «المسيحية المتطرفة»، يطمح هؤلاء للبقاء في «وطن لا يكاد يتسع لأهله، فكيف وهم فيه؟». تؤكد ماريان أن للفلسطينيين إمكاناتهم الموزعة في دول الاغتراب، لكنها ترى أن المشكلة الأساس تكمن في قياداتهم الذين «لا ينظرون إلى شعبهم الفقير». تشارك لينا ماريان في موقفها. فلينا، المسيحية اليمينية، ترفض أن يكون «لبنان وطناً بديلاً لأي كان».وهي ترى ان الفلسطيني طامح لاستبدال وطنه ببلدها. كيف تحققت من هذا الامر؟ لا يبدو أن هناك جواباً، لكنها تكره الفلسطيني الذي «يفرض شروطه في بلدٍ وفّر له الحماية طوال سنوات»، فترى الفلسطيني لم يمن على لبنان ولو بنظرة امتنان، الأمر الذي ترى فيه «وقاحة». وتستغرب لينا جنوح الفلسطيني نحو الحرب دوماً، إذ إنها لم تر فيه الإنسان المسالم في أي من المراحل التي مر فيها لبنان كما تقول: «يصرون على حمل السلاح ويطلقون النار على صدور عناصر جيش البلد الذي استقبلهم»!. تخلص لينا وماريان إلى أن الحل لمشكلة الفلسطينيين يكون ببحثهم عن وطن آخر بديلاً عن لبنان. حال ماريان ولينا تنسحب على مروى التي ترفض وجود الفلسطيني في لبنان. فهي ترى فيهم «شعباً حاقداً» مستندة بذلك إلى مقولة كانت ترددها جارتها الفلسطينية «قضيتنا ملح يجب أن يتجرّعه كل العرب ليذوقوا المرارة».
في المقلب الآخر، يبرز موقف مخالف للآراء السابقة. فإدمون العوني يستنكر عدم التعاطف مع قضية الشعب الفلسطيني المشرد. فهو يرى في القضية الفلسطينية خصوصية يجب أن تُمنح للفلسطيني دون غيره. ويستند في رأيه إلى أن الشعب الفلسطيني من بين شعوب العالم هو الوحيد الذي بات بلا أرض بعدما هجّره الاحتلال الإسرائيلي منها. ورغم موقف إدمون المتعاطف مع القضية الفلسطينية، فهو يرفض التعاطي مع مطالب الفلسطينيين على أنها سلة واحدة. فيرى أنه يجب التعاطي مع كل مطلب على حدة لما فيه خير لبنان ومصلحة الفلسطينيين من دون أن يضر الواحد بالآخر. ويلفت إدمون، الذي لا يتعب من تكرار أقوال جنراله البرتقالي، إلى ضرورة التنبه من أن بعض المطالب قد تترجم بصورة غير مباشرة لمصلحة التوطين. من جهته، يتبنى داني موقف إدمون المؤيد للفلسطينيين، لكنه يشير إلى اعتبارات يجب أن تراعى. فالتعاطف مع الشعب الفلسطيني، بحسب ابن العائلة العونية، واجب من منطلق الحس الإنساني، لكنه يرى أن الوطن اللبناني ضيق على أهله. ويشير داني إلى أنه في حال حصول الفلسطينيين على الحقوق التي يتمتع بها اللبناني، يسقط حق العودة. وعندما تتحرر فلسطين فإنهم لن يجدوا مبرراً لعودتهم بعدما أسسوا حياتهم في لبنان، علماً أن معظم الفلسطينيين المقيمين في لبنان ولدوا وترعرعوا هنا.




حصلت موجة تجنيس لفلسطينيين في خمسينيات القرن الماضي وستينياته في عهود الرؤساء السابقين كميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل حلو. وذاعت أسماء مجنسين دخلت مجال الشأن العام من دون إشارة إلى أصلها الفلسطيني، فيما ذكر بعضها أصله وفاخر به. ومنها منى الياس الهراوي، جوني عبدو،سمير قصير. إضافة إلى زوجات سياسيين لبنانيين أمثال زوجة النائب الأسبق نسيب لحود، عبلة فستق. والوزير الأسبق ميشال سماحة المتزوج من سيدة فلسطينية من آل عريضة. وزوجة الرئيس رفيق الحريري، نازك عودة. وكذلك زوجتا محمّد عبد الحميد بيضون ومروان حمادة.