القاهرة | الثورة تبدأ من جديد. ميدان التحرير استعاد أجواء الأيام الأولى لثورة 25 يناير المصرية. حروب كرّ وفرّ بين المتظاهرين وقوات الأمن التي انضمّت إليها هذه المرة قوات الجيش. البعض اعتبر أن مصر عادت إلى ما قبل 25 يناير، وخاصة أن الإعلام الرسمي لم يتخلَّ عن تحريضه ضد المتظاهرين، مرة باسم المؤامرة ومرة أخرى باعتبار ما يحصل «توتراً مفتعلاً»، حسبما جاء فى بيان للحكومة، التي طمأنت إلى أن الانتخابات ستجرى وفق المواعيد المقررة.


غير أن الشباب ظلوا مصرّين على إنجاز ثورتهم واستكمالها من أجل «مصر حرة»، وهو ما لن يحدث إلا بسقوط «حكم العسكر». ربما لم يشاهد رئيس الحكومة عصام شرف هذا المشهد الرهيب: سقط أحد المتظاهرين برصاص قوات الأمن، اقترب منه أحد ضباط الأمن المركزي، فسحل جثته على الأرض وألقى بها في مستوعب النفايات. مشهد قوبل حكومياً ببيان يساند وزارة الداخلية ويدعمها في مواجهة المتظاهرين، مشيراً إلى أن «التوتر المفتعل حالياً يستهدف تأجيل الانتخابات أو إلغاءها لمنع إعادة بناء مؤسسات الدولة». مجلس الوزراء كان مجتمعاً، بينما قوات الأمن والجيش تسحق المتظاهرين. سبعة شهداء جدد أضيفوا أمس إلى شهداء «ثورة النيل»، بحسب حصيلة أطباء المستشفى الميداني في ميدان التحرير، إضافة إلى أكثر من 1300 جريح، وأكثر من مئتي معتقل في اليومين الماضيين، في مقابل اعتراف وزارة الصحة بمقتل 3 أشخاص. وحده وزير الثقافة عماد أبو غازي قدّم استقالته، وكذلك وزير الداخلية منصور العيسوي الذي كشف عن عدم إعطاء أي أوامر لوزارته لفضّ اعتصام أسر الشهداء أول من أمس، الذي كان الشرارة التي أعادت إلى ميدان التحرير أجواء بداية الثورة المصرية. وقال العيسوي إن الأوامر صدرت لضباطه من قيادات الجيش، وقدم استقالته التي رفضها عصام شرف، بينما تمسك بها العيسوي، حتى إنه لم يعلنها حتى الآن، واعتذر عن عدم الذهاب مع الوزراء للاجتماع مع المجلس العسكري الحاكم.
وكانت شرارة الأحداث قد بدأت يوم السبت، عندما عمد عدد من ضباط وزارة الداخلية وقوات الأمن الى استخدام العنف المفرط تجاه عدد من مصابي الثورة المعتصمين في ميدان التحرير، لم يتجاوز عددهم المئتين، الأمر الذي أثار غضب عدد من شباب الثورة الذين اتجهوا إلى الميدان دفاعاً عن المعتصمين، فبدأت الاشتباكات التي تحولت إلى ما يشبه حروب الكر والفر حتى عصر أمس. وفي الوقت نفسه، خرج أهالي السويس وبور سعيد والإسكندرية تضامناً مع ثوار التحرير، لتشتعل المحافظات الثلاث، حيث قدّمت الإسكندرية أول الشهداء وهو بهاء الدين سنوسي، مؤسس حزب التيار المصري. بدورهم، هاجم أهل السويس قسم شرطة الأربعين الذي كان أيضاً مسرحاً لأحداث ثورة يناير. استمرت المناوشات بين الثوار وضباط الداخلية طوال المساء، كانت السماء تمطر خلالها قنابل مسيلة للدموع. استمرت المناوشات وسط غياب للتصريحات الرسمية، باستثناء ما كتبه رئيس الوزراء على موقعه الخاص، الذي دعا فيه المتظاهرين إلى ترك الميدان وفتح الطريق أمام حركة السير، بينما أذاعت قناة ontv أن المشير حسين طنطاوي سوف يوجه بياناً للشعب. إلا أن المشير لم يظهر، ولم تقدم القناة تفسيراً للخبر الذي بدا كأنه «بالون اختبار». كما غاب عن المشهد والاعتصام كل التيارات والأحزاب السياسية «الكبيرة»، التي تراهن على اقتسام أكبر قدر من المناصب. وعندما دخل المرشح المحتمل للرئاسة محمد سليم العوا ميدان التحرير هتف له الثوار، وعندما طلب منهم مغادرة الميدان طردوه، وهو ما كان مصير الناشط السياسي ممدوح حمزة. وسارع «الإخوان المسلمين» إلى نفي أي علاقة لهم بما يجري في الميدان، حاصرين همهم بـ«عدم تأجيل الانتخابات»، على وقع إعلان المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية محمد البرادعي، على موقع «تويتر»، أن ما يحصل «عنف مفرط وأسلوب همجي. إنقاذ مصر واجب وطني لا يحتمل التأخير»، نافياً في الوقت ذاته زيارته للميدان. وحده حازم أبو اسماعيل توجه إلى الميدان وأعلن اعتصامه هناك. وبعد ذلك، خرج من الميدان في موقف أثار الدهشة. استمرت المناوشات حتى عصر أمس، حين كان الميدان قد بدأ يشهد هدوءاً، باستثناء مدخل واحد من مداخله القريبة من وزارة الداخلية، عندما فوجئ الشباب بإنزال عدد كبير من أفراد الجيش والشرطة العسكرية دخلوا مترجلين في الشوارع الجانبية، ليحيطوا بالثوار في مشهد لم يكن متوقعاً على الإطلاق بعنفه وخسّته أيضاً. لم يكن المشهد مقتصراً على العنف ضد المتظاهرين مع ظاهرة توجيه الرصاص المطاطي إلى عيون المتظاهرين، إذ فقد عدد كبير من المتظاهرين عيونهم بسبب ذلك، ولكن لوحظت حالات تحرش كثيرة بالنساء من قبل الضباط والعسكر. هكذا، لا يزال الأمن يفكر بالطريقة القديمة، ولا يزال المجلس العسكري الحاكم وقادته يتصورون أن الثورة قامت من أجل إنهاء مشروع التوريث، ولإقالة حسني مبارك فقط. وكأن الجيش والأجهزة الأمنية لا يعرفون أن الثورة قامت من أجل إنهاء حكم عسكري استمر أكثر من 60 عاماً، ومن أجل إسقاط دولة الوصاية الأبوية.
في غضون ذلك، وصف رئيس حزب «الوفد» السيد البدوي المتظاهرين بـ«العملاء» لجهات أجنبية. وأصدر البرادعي بياناً أكد فيه تأييده الكامل لمطالب الثوار. بدورها، دعت «الجبهة الحرة للتغيير السلمي» إلى ضرورة التسليم الفوري للسلطة للمدنيين بشكل يحترم إرادة المصريين، داعيةً إلى النزول الجمعة المقبلة في جمعة غضب مليونية جديدة، تحت شعار «جمعة الإنقاذ الوطني» للتعبير عن رفض استمرار حكم المجلس العسكري. وفي السياق، رفض المتظاهرون والمعتصمون وجود أي فصيل ينتمي الى الأحزاب أو التيارات السياسية، على اعتبار أن ميدان التحرير هو للشباب الذي تعرّض للقهر والضرب والاعتداءات والإصابات، وليس للنخب السياسية التي تعشق الظهور الإعلامي، وتبحث عن المال والسلطة.
هكذا، نامت مصر وميدان التحرير بأيدي الثوار الذين أعادوا إحياء اعتصامهم فيه، مع وصول أعداد كبيرة من شباب التيارات اليسارية لينضمّوا إلى زملائهم، مردِّدين هتافات «هنعلّمهم الأدب حنورّيهم الغضب».