غزة | كما خرج يونس من بطن الحوت، خرج ابراهيم ابو ديب من النفق. لفظه في النهاية نفق الظلم والحيرة والالم والشوق لعناده ربما، الى ضوء سماء الوطن المفقود، ونور عيون الاهل الذين خافوا الرحيل قبل ان تتاح لهم رؤيته ولو لمرة، مرة واحدة. هكذا، خرج الفلسطيني الايرلندي، الرجل السبعيني الذي كانت «مخيمات» قد طرحت قضية استحالة دخوله الى القطاع المحاصر لزيارة والده التسعيني بسبب حصار اسرائيل واغلاق معبر رفح، ولعدم امتلاكه هوية فلسطينية. خرج اخيرا من ذلك النفق، لكن.. عبر نفق آخر رأى في آخره بصيص الامل. كان ابراهيم قد استنفذ كل الحيل والحلول القانونية لمعالجة مشكلة اوراقه «العويصة»، كان عنيدا وصبورا والاهم مشتاقا. ولذلك، فرض النفق نفسه طريقا للنفاذ من تلك المتاهة بنصيحة من ضابط مصري حن قلبه لمأساة الرجل. وفي غزة، استقبلته عائلته المشتاقة بفرحة صعبة الوصف، اختلطت فيها الدموع بالضحكات بالزغاريد بالذهول وعدم التصديق. اخذوا يتحسسونه ليتأكدوا انه فعلاً بينهم، فقد طال الانتظار لدرجة اليأس، ولم يكن يتوقع احد ان يخرج ابراهيم من النفق. فوثيقة موافقة السفير المصري في إيرلندا على دخول ابراهيم إلى غزة، أو بالأحرى خطاب السفير المصري المفتوح الخالي من توجيه مباشر لجهة معينة، والذي سلمّ لابراهيم كضمان دخول الى جانب باسبوره الايرلندي، نصحه ضبّاط معبر رفح للأسف، وبحسب التعبير المصري المعروف ان «يبلّها ويشرب ميتها». تفاصيل رحلة مؤلمة، تشرح بفصاحة واقع النازحين الفلسطينيين الراغبين في زيارة عائلاتهم في غزة، وقد نزلنا عند رغبة إبراهيم في سردها كما حدثت فعلاً!

في الواقع، إبراهيم توقّع ممانعة رغبته في دخول قطاع غزة منذ ساعة اعلان القرار المصري بفتح معبر رفح على نحو دائم، كما أذاعته وكالات الأنباء العالمية في الأول من حزيران 2011 ، خصوصاً بعد تجربة خاضها قبل سبعة أعوام محاولاً دخول القطاع، حيث قضى ست ساعات كاملة في الوقوف أمام معبر بيت حانون، لكن الاحتلال منعه من الدخول. يومها، قرر على مضض قضاء إجازته التي خصصها وقتها لزيارة عائلته عند أقرباء له في الضفة الغربية. وحينما بقي أمامه عشرة أيّام من إجازته، قرر العودة للوقوف أمام معبر بيت حانون لعلّ وعسى، لكن محاولاته باءت بالفشل، وعاد إلى إيرلندا حيث يقيم دون رؤية أهله. لذلك، بمجرد سماع ابراهيم ذلك النبأ السعيد بفتح المعبر، هاتف السفارة المصرية في ايرلندا سائلاً: هل لديكم معلومات عن تفاصيل فتح معبر رفح؟ جاء رد السفارة هكذا: ليس لدينا أيّ معلومات! كيف لا تدري سفارة دولة كبرى بقرارات مهمة تنشرها الصحف ووكالات الأنباء ولا تدري هي بها؟ كيف يكون تكوين تلك الدولة؟ أصلاً.. ما هي مكانة السفير في هذه الحالة؟ هكذا ظلّ ابراهيم يتساءل دهشاً من جهل السفارة بتفاصيل القرار السياسي البالغ الأهمية. على مضض طلب إبراهيم من السفارة الاستفسار حول الموضوع، في البداية سئل عن داعي الاستفسار، ردّ برغبته زيارة والد مسن لم يره منذ زمن بسبب الحصار غير القانوني على قطاع غزة، حينها طلب إليه شرح المشكلة في رسالة يوجهها الى السفارة، فما كان منه إلا أن كتب تلك الرسالة على عجل، مسلماً إيّاها باليد لموظفي السفارة تخوفاً أن تهمل إن أرسلها عبر البريد الإكتروني أو الفاكس، منذ ذاك الوقت لم يتوقف عن مهاتفة السفارة، وارسال رسائل عبر البريد الالكتروني بغيةاستعجال الرد. وبعد أربعين يوماً بالتمام والكمال وصله الردّ عبر البريد الالكتروني يطلب منه صورتين، إضافة الى بعض الرسوم النقدية ليتسلم فيزا دخول مصر. هنا يفاجأ ابراهيم من جهل السفارة أنّ الجنسية الإيرلندية تؤهله لدخول أي دولة بدون فيزا أصلا! كيف لا تعلم السفارة بهذه الإجراءات؟ عاد إلى السفارة كرّة أخرى بغرض التوضيح أنّه ليس بحاجة إلى فيزا، بل إلى تسهيلات خاصة بدخول غزة، بمعنى أن يتم اعلام معبر رفح بوجود اسمه كمسافر إلى غزة. بعد كل هذا الشقاء حصل على خطاب مفتوح كتبه السفير المصري لم يجده ابراهيم بمنزلة تصريح فعلي، مما دفعه إلى سؤال السفير: وكيف سأتأكد أنّ اسمي ضمن المسموح لهم بالدخول؟ ردّ السفير بكلمتين حاسمتين على شكل سؤال: «هي فوضى؟». الفوضى الفعلية التي توقعها ابراهيم وعائلته وفي الوقت ذاته استبعدها، كانت تحمل بالحقيقة بصيص أمل حذر تمنته قلوبهم!
وصل ابراهيم بوابة معبر رفح بصحبة شقيقين يحملان الهوية الفلسطينية. الأشقاء جميعهم جاءوا، كلٌ من البلد الذي يقيم فيه، لتمضية العيد بصحبة العائلة. ابراهيم وقف بينهم ملتبساً بالحيرة حاملاً حقيبة جلدية صغيرة، فيها أوراق ثبوتية كثيرة تثبت فلسطينيته، منها جواز سفر مصري قديم وشهادة الميلاد وشهادات التعليم المدرسي في غزة، بالإضافة إلى خطاب السفير. بسط كل تلك الاوراق أمام الضابط المصري الذي بدوره لم يهتم لأي من تلك الأوراق. مباشرةً سأله: فين هويتك؟ ردّ إبراهيم بما يفيد امتلاكه ـــــ فقط ـــــ خطاباً من السفير المصري في ايرلندا يسمح له بدخول غزة، اضافة إلى جواز سفره الايرلندي. لم يلق الضابط اهتماماً للخطاب، حكم فقط بعدم استطاعته الدخول الى القطاع. ماذا يفعل إذن؟ فكّر الشقيقان المرافقان له أن يذهبا لضابط الاستخبارات في غرفة الداخلية لطرح الإشكالية عليه، مثبتين له قرابتهما بشقيقيهما، وأخذا يستعطفانه شارحين شوق المسن والدهما، شوق يعقوب لابنه النبي يوسف، لعلّ وعسى يعطف على حالهما، لكن الضابط رد عليهما بلا أدنى اهتمام قائلاً: معاكم هويات؟ ردّا بالايجاب، فطلب إبرازها: «ورّوهالي» قال. تفحصها ثم اضاف: «لو معاه (أي اخوهم ابراهيم) زي دي يدخل»، أخذ الشقيقان يتوسلان حتى بكيا. من فرط أسى الموقف، أشار أحد الضباط المصريين على شقيقيه أن يدخلاه غزة ... عبر الأنفاق. فكّر إبراهيم لحظتها: هل يعود لإيرلندا مثلما حدث معه قبل سبعة أعوام؟ أم يدخل غزة من تحت الأرض كما اقترح الضابط «ابو قلب رقيق»؟ في الحقيقة لم يكن من خيار آخر. هكذا، فعلها. سلك النفق، وفي آخره كان ضوء النهار. دخل غزة عبر الأنفاق لتمضية أيّام العيد برفقة عائلته، ثم خرج بعد شهر منها بالطريقة ذاتها، آملاً أن يتمّكن من دخولها المرة المقبلة بطريقة قانونية تحترم انسانيته وإنسانية كل النازحين الفلسطينيين عن وطنهم ظلماً .




يقع معبر رفح جنوب قطاع غزة وعلى الحدود المصرية الفلسطينية. يستخدم المعبر وفقا لاتفاقية المعابر الموقعة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية اذ يسمح بعبور كل فلسطيني يحمل هوية فلسطينية. ويستخدم المعبر لتصدير البضائع الفلسطينية خاصة منها المنتجات الزراعية رغم اعتراض إسرائيل على ذلك. ولطالما اشترطت إسرائيل على السلطة الفلسطينية إبلاغها بأسماء كل من يريد المرور من خلال معبر رفح قبل 48 ساعة، لتقرر ما إذا كانت ستسمح له بالعبور أو تمنعه.