يكفي لأي دولة تريد أن تؤدي دوراً في «الملف الفلسطيني» اليوم أن تقول إن لديها مبادرة، وتردد مفردات من قبيل: سلام، مؤتمر، ومفاوضات، حتى يحج إليها قادة السلطة الفلسطينية ويرحبوا ويهللوا بالطرح حتى قبل أن يطّلعوا على مضمونه. هذا ما حدث أخيراً مع «المبادرة الفرنسية». في المقابل، فإن عملية طعن أو انفجاراً مهما كانت نتائجه، كاف لإثارة فضول الشارع الفلسطيني وفرحه، وتصيبه حالة ملاحقة الأخبار والترحيب بالفعل، كما حدث مع انفجار الحافلة في القدس.
ترحيب السلطة بمبادرات «السلام»، بالتزامن مع فرح الشارع وترحيبه بالعمليات، لا يعبران عن تناقض بينهما أو فجوة حادة في الرؤية السياسية، بقدر ما يعكسان أزمة مشتركة لدى الطرفين، أي لدى السلطة وقطاع واسع من الشارع، وخاصة في الضفة المحتلة. المثير هنا أن أزمة كل طرف سببها الطرف الآخر. أزمتان تعتاشان إحداهما من الأخرى؛ فالسلطة ترحب بأي مبادرة بغض النظر عن مضمونها، لأن همها الأول المحافظة على حالة «الاستقرار» التي تضمن لها استمرار بقائها وبقاء مصالح قيادتها.
منذ سنوات، تحوّل هدف المفاوضات من «حل الصراع» إلى «إدارة الصراع». وتحولت السلطة من «خطوة نحو هدف»، لتصير الهدف نفسه. الشارع أيضاً يشارك السلطة الرغبة في المحافظة على «الاستقرار» ـــ استمرار الوضع القائم دون مواجهة مباشرة مع الاحتلال، ولكنه أقل انسجاماً مع نفسه مقارنة بقيادته. فهو يعيش حالة من الانفصام إذا جاز التعبير؛ يريد الاستقرار وفي الوقت نفسه، يريد التخلص من الاحتلال وبطشه.

بات على الفرد
الاختيار بين متطلبات المعيشة ومواجهة الاحتلال

انسجام السلطة المطلق مع نفسها ومع هدفها المتمثل في المحافظة على ما هو قائم، يأتي نتيجة انفصالها التام و«تحررها» من الهدف الوطني الذي أنشئت له وفق رؤية القائمين عليها آنذاك. نحن اليوم أمام نوع من القيادة يمكن تسميته في أحسن الظروف «قيادة سياسية»، ولكن لا يمكن أن ينطبق عليها مسمى «القيادة الوطنية»؛ الفرق شاسع بين العمل السياسي المجرد والعمل الوطني. كل عمل وطني بالضرورة سياسي، ولكن ليس كل عمل سياسي بالضرورة وطنياً.
أما انفصام الشارع، فسببه نمط حياة متكامل بُني في غفلة منه، وحينما استيقظ من غفلته وجد قيوده كثيرة وثقيلة. وكلما ثقلت قيود الشارع، زاد «تحرر» القيادة السياسية من «الهم الوطني»، وكلما زاد تحررها منه، أثقلت على الشارع وأغرقته في نمط حياته الجديد. انفصال القيادة و«تحررها» مما هو وطني، «يحررانها» بطبيعة الحال من المسؤولية تدريجياً، حتى تصل إلى مرحلة «اللامسؤولية». وهذا التحلل يكون أكثر سهولة عندما يشعر المسؤول أن لا رقيب عليه، أو أن رقيبه غير قادر على محاسبته. وهذا ما تشعر به قيادة السلطة اليوم تجاه شارع مثقل بقيود الحياة المعيشية ونمطيتها القاتلة. أزمة كهذه كل طرف فيها يعتاش على أزمة الطرف الآخر ويساهم في ديمومتها.
«المبادرة الفرنسية»، أصحابها أنفسهم لا يؤمنون بها أو بجدواها. رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، يدرك أنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به، ولكن ما لا يتوخاه هو أن يسيل الكثير من حبر الإعلاميين والمحللين وأن تكثر الزيارات واللقاءات وربما لاحقاً المؤتمرات، حتى يسجل نقطة في سجله الدبلوماسي الفارغ. ولا شك أنه ورئيسه، فرانسوا هولاند، يدركان جيداً أنه في نهاية العامين المشترطين كإطار زمني للمفاوضات للتوصل إلى حل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، سيكونان على شواطئ الريفييرا يقضيان عطلتهما بعد خروجهما من قصر الإليزيه، إذ لم يتبقّ الكثير لاستحقاق الانتخابات الرئاسية. وسنجد أنفسنا أمام قيادة يمينية ستضع بلا شك «مبادرة الاشتراكيين» على الرف.
أما عن مضمون هذه المبادرة، فخذ ما يدهشك: دولة منزوعة السلاح على حدود عام 67، تأخذ بعين الاعتبار «الحاجة الأمنية» لإسرائيل، ويجري تبادل الأراضي باتفاق الطرفين. أما اللاجئون، فلهم حل «لائق» مع التأكيد على مبدأ «التعويض» دون ذكر حق العودة. وإذا لم تنجح المفاوضات، فإن مكافأة القيادة الفلسطينية تكون باعتراف فرنسي بالدولة الفلسطينية، التي لا وجود عملياً لها. هل نتذكر كم دولة قدمت اعترافها دون اشتراطات؟ مبادرة تدفعنا إلى الترحم على «مبادئ أوسلو».
مع ذلك، فإن «القيادة السياسية» الفلسطينية ترحب وتشيد وحتى تشكر «الاهتمام» الفرنسي. لمَ لا؟ ما دام أنه لا مجلس تشريع يراقب ويحاسب، ولا سلطة إعلامية حقيقية تنشر وتشرح وتوضح، ولا قوى حزبية فعالة تعارض، ولا شارع قادر على الخروج من تردّده وانفصامه وقلب الطاولة على رؤوس أصحابها. ونعود إلى الشارع مرة أخرى، فهو رحب وهلّل لـ«عملية الباص»، لكنه على مدى أكثر من خمسة شهور، عجز عن أن يخرج من تردده وينخرط في انتفاضة «الشباب الصغير» الذي جلّه دون الخامسة والعشرين. حتى إنه كان يشجعها على استحياء لأنها تضعه أمام نفسه، على عكس العمليات العسكرية؛ انتفاضة الشباب تعني أن الباب مفتوح للجميع للمشاركة بما يستطيع. وهنا اختار القطاع العريض من «الشارع المثقل» أن يشارك في إعادة إعمار بيوت الشهداء، على سبيل المثال، ولكنه أحجم عن الذهاب بعيداً بمشاركة وطنية نضالية واسعة تهدد «الاستقرار».
بات على الفرد الاختيار بين متطلبات المعيشة ومواجهة الاحتلال

رأينا كيف خرج الآلاف في إضراب المعلمين كما خرج في اليومين الماضيين الآلاف أيضاً احتجاجاً على «قانون الضمان الاجتماعي». هذا الخروج على أهميته بلا شك، يوضح من جهة أخرى ما نعنيه بـ«الشارع المثقل». فكل ما بُني اقتصادياً واجتماعياً منذ قدوم السلطة حتى اليوم كان منفصلاً تماماً عن البعد الوطني، وكل السياسات التي وضعت خلال عقدين من الزمن، لم تأخذ بعين الاعتبار أن هناك قضية وطنية لا تزال قائمة أو احتلالاً يتحكم في تفاصيل الحياة، بل هذه السياسات وضعت المصالح الاقتصادية الاجتماعية للناس في حالة تعارض تام مع قضيتهم الوطنية، وبات الفرد كأنّ عليه أن يختار بين «استقرار» يضمن له متطلبات المعيشة، ومواجهة الاحتلال التي ستكسر هذا «الاستقرار» وتضع مصالحه اليومية في مهب الريح.
هذا التعارض الذي تم تأسيسه بقصد، هو الذي يفسر إلى حد ما تجاوب «الشارع» بسهولة مع قضايا تمس حقوقه الاقتصادية والاجتماعية، في حين أن حضوره في قضية وطنية كقضية الأسرى أو استعادة جثامين الشهداء يكون محدوداً. وهو أيضاً يفسر ترحيب الشارع بعملية فدائية، في حين يحجم عن المشاركة الواسعة في انتفاضة شعبية. لكن هذه المقارنة لا تعني الانتقاص من أهمية الاحتجاج والمطالبة بتلك الحقوق، بل يجب تطوير هذه الحركات الاجتماعية وآليات احتجاجها، وهي باتت الإطار الأهم في مواجهة السلطة. كذلك يجب على القائمين عليها أن يعيدوا الربط بين الواقع الاقتصادي الاجتماعي للفرد الفلسطيني وقضيته الوطنية، وأن يكسروا ذلك التعارض بين الحياة والهم الوطني الذي أسّسته السلطة بمساعدة المجتمع الدولي ومنظمات دولية، لأنه إذا كانت حركة الاحتجاج اقتصادية اجتماعية مجردة دون تطوير آليات سياسية تعيد للبعد الوطني أهميته، فإننا سنعمق، من حيث لا ندري، ذلك التعارض الذي نتحدث عنه.
والشارع يختلف عن القيادة السياسية في نقطة أخرى، غير مسألة «الانسجام والانفصام»، هي أنه لا يمكن أن «يتحرر» من «الهم الوطني» مهما أثقلته الحياة ونمطيتها الجديدة التي بنيت في غفلة منه، لأن الاحتلال ببساطة لا يعيش على أغصان الشجر، بل على حساب الناس وحياتهم وحرياتهم ووجودهم وأمنهم. من هنا يأتي الترحيب بـ«عملية الباص» في القدس، وهكذا يعيش الغضب والرغبة في الانتقام رغم الحاجة إلى «الاستقرار» والتمسك به. يمكن أن يحيا فرد أو قيادة ما، بالخبز وحده، ولكن لا يمكن أن يحيا شعب بأكمله بالخبز دون هوية وانتماء وحرية وتاريخ. وهذا ما يفسر حالة «انفصام الشارع» مقابل «انسجام السلطة».
هذا التحليل يأخذنا إلى حقيقة لا بد من مواجهتها، هي أن طبيعة الوضع السياسي والوطني القائم، وخاصة في الضفة، المنعكس على مجمل القضية الفلسطينية، لا يمكن التعامل معه ومعالجته دون انتفاضة شعبية واسعة، لأن المطلوب هو هدم بنيان اقتصادي اجتماعي وحتى ثقافي كامل مقابل بناء جديد، والهدم يعني ضرورة التخلص من «وهم الاستقرار». لهذا أيضاً دعونا هذه المرة نواجه أنفسنا ونواجه القطاع العريض منا والأغلبية الصامتة والمترددة لنقول إن استمرار المشكلة وحلها باتا بيد هذا القطاع الشعبي، أما «القيادة السياسية»، فأشبعت نقداً، والضرب في الميت حرام. علينا أن نلحق بـ«الشباب الصغار»، فهم الذين بأيديهم البوصلة الآن. لا بد من انتفاضة شعبية، ولا مفر من ذلك.