القاهرة | لم يفاجئ وزراء الخارجية العرب أحداً بقرار الحرب الاقتصادية الذي اتخذوه بحق سوريا أمس بتأييد 19 دولة في ظل تحفُّظ العراق الذي لن ينفّذ القرار، ونأي لبنان بنفسه، بحسب تعابير رئيس الحكومة القطرية الشيح حمد بن جاسم بن جبر. قرار اتُّخذ في أحد الفنادق القريبة من مطار القاهرة، بحضور وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو كضيف شرف، ويسجّل سابقة تاريخية في اتخاذ الجامعة العربية عقوبات من هذا النوع ضد دولة عضو في الجامعة، كما من ناحية أن تنفيذه بدأ فور اتخاذه عصر أمس، وهو الذي وُضع في خانة «السعي إلى تفادي تدويل الأزمة السورية».

وقد تولّى رئيس اللجنة العربية المكلفة متابعة الأزمة السورية، رئيس وزراء قطر، وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، مهمة إعلان مضمون قرار العقوبات، في مقدمتها «منع سفر كبار الشخصيات والمسؤولين السوريين إلى الدول العربية وتجميد أرصدتهم في الدول العربية». ووفق نص القرار، تتضمن العقوبات «وقف التعامل مع البنك المركزي السوري ووقف المبادلات التجارية الحكومية مع الحكومة السورية باستثناء السلع الاستراتيجية التي تؤثر على الشعب السوري»، إضافة إلى «تجميد الأرصدة المالية للحكومة السورية ووقف التعاملات المالية معها ووقف جميع التعاملات مع البنك التجاري السوري ووقف تمويل أي مبادلات تجارية حكومية من البنوك المركزية العربية مع البنك المركزي السوري».
ونص القرار، الذي بُرِّرَ مثلما بات معلوماً بامتناع سوريا عن توقيع البروتوكول القانوني الناظم لعمل بعثة المراقبين إلى سوريا و«عدم تنفيذ سوريا بنود المبادرة العربية»، على «الطلب من البنوك المركزية العربية مراقبة الحوالات المصرفية والاعتمادات التجارية باستثناء الحوالات المصرفية المرسلة من العمالة السورية في الخارج إلى أسرهم في سوريا والحوالات من المواطنين العرب في سوريا». إضافة إلى ذلك، قرر الوزراء العرب «تجميد تمويل مشاريع على الأراضي السورية من الدول العربية». وفيما أوصى وزراء المال والاقتصاد العرب في اجتماعهم أول من أمس، بوقف رحلات شركات الطيران العربية من سوريا وإليها، طلب وزراء الخارجية، وفق قرارهم، من لجنة فنية ألفوها على مستوى الخبراء أن «تبحث الموعد المناسب لوضع هذا الإجراء موضع التنفيذ»، مع تكليفهم هذه اللجنة الفنية تحديد «أسماء الشخصيات والمسؤولين السوريين» الذين ستجمَّد أرصدتهم في الدول العربية. ومن المقرر أن تقدّم اللجنة المذكورة تقريراً خلال أسبوع إلى اللجنة الوزارية المعنية بالوضع في سوريا، لتحديد موعد وقف رحلات الطيران. وفي ما يتعلق بهذا الموضوع، كلّف مجلس الجامعة العربية كلاً من «الهيئة العربية للطيران المدني» و«صندوق النقد العربي» متابعة تنفيذ هذه العقوبات. وأكد المجلس ضرورة ألا تشمل هذه العقوبات المنظمات العربية والدولية ومراكز الجامعة وموظفيها على الأراضي السورية. وفي السياق، أقرّ المجلس الوزاري العربي تأليف لجنة فنية تنفيذية من الخبراء وكبار المسؤولين برئاسة قطر وعضوية كل من الأردن والجزائر والسعودية والسودان وسلطنة عمان ومصر والمغرب والأمانة العامة للجامعة، تكون مهمتها «النظر في الاستثناءات المتعلقة بالأمور الإنسانية التي تؤثر مباشرة على حياة الشعب السوري، وكذلك المتعلقة بالدول العربية المجاورة لسوريا». وطالب الوزراء العرب اللجنة الفنية التنفيذية بوضع قائمة بالسلع الاستراتيجية وفقاً لمعايير محددة، وتقديم تقارير دورية إلى مجلس الجامعة عبر اللجنة الوزارية العربية المعنية بالوضع في سوريا. وفي هذا الإطار، ستدرس اللجنة عدداً من المقترحات والخطوات الواجب اتخاذها للتعامل مع التطورات على الساحة السورية «من النواحي الإنسانية والإغاثية لتقديم العون الإنساني والإغاثي للشعب السوري من الدول العربية لمساعدة الفئات المهمشة الفقيرة بهدف تلافي أي تأثيرات سلبية قد تنجم عن العقوبات الاقتصادية العربية على الشعب السوري».
وردّاً على سؤال عن اتهام وزير الخارجية السوري وليد المعلم للجامعة العربية بتدويل الأزمة، أجاب بن جاسم: «كل ما قمنا به هو لتفادي حل أجنبي»، موضحاً أنه «إذا لم نتصرف بجدية، فأنا لا أستطيع أن أضمن أنه لن يكون هناك تدخُّل أجنبي»، مشدّداً على أن العقوبات «ستنفَّذ فوراً ومنذ اليوم (أمس)، فهذه مسؤولية أخلاقية، ومن لم يرد التنفيذ كان عليه أن يصوت بالرفض خلال الاجتماع». وتابع: «نأمل أن يكون هناك وقف للقتل حتى لا يستمر تنفيذ هذا القرار»، رغم أن «البوادر ليست إيجابية» على حد تعبيره. وفي المؤتمر الصحافي الذي تلا الاجتماع العربي، أكد المسؤول القطري أن «ما يهمنا هو أن تستوعب الحكومة السورية أن هناك موقفاً عربياً يريد أن يحل الموضوع بنحو عاجل، وخاصة وقف القتل وإطلاق سراح المعتقلين وسحب المدرعات».
بدوره، أشار الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي، إلى أن «همنا الأكبر كان كيفية تجنيب الشعب السوري آثار هذه العقوبات»، لافتاً إلى أنه «إذا وقّعت سوريا برتوكول المراقبين، فسيعاد النظر في العقوبات».
ونقلت وكالة «فرانس برس» عن دبلوماسيين عرب قولهم إن خلافات ظهرت عند مناقشة مشروع العقوبات بشأن جدواها، موضحين أن دولتين من الدول الأعضاء في اللجنة المكلفة متابعة الأزمة السورية، وهما الجزائر وسلطنة عمان، حذّرتا من التعجُّل في إقرار هذه العقوبات باعتبار أن «تأثيرها السلبي سيكون كارثياً على الشعب السوري قبل النظام». وقال الدبلوماسيون أنفسهم إنّ «الدول المؤيدة للعقوبات، والتي تقودها قطر، ترى ضرورة تطبيقها ولو تدريجاً مع البحث عن وسائل وآليات تخفف من وقعها على الشعب السوري».
وسبق اجتماع مجلس الجامعة اجتماع للجنة الوزارية المعنية بالازمة السورية برئاسة بن جاسم ومشاركة أعضاء اللجنة إضافة إلى العربي ووزير الخارجية السعودي سعود الفيصل الذي طلب حضور الاجتماع. وقد شهد الاجتماع المذكور انضمام ممثلي الدول العربية المجاورة لسوريا غير الاعضاء في اللجنة، وهي الاردن والعراق ولبنان بالاضافة إلى الامارات. وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن اللجنة طلبت مشاركة هذه الدول لسماع وجهة نظرها ومدى تقييمها لجدوى تطبيق العقوبات الاقتصادية والتجارية والمالية.
وكان القرار الذي صدر أمس، قد وُضعت مسودته خلال اجتماع المجلس الاقتصادي الاجتماعي العربي، أول من أمس، وهو الذي يضم وزراء الاقتصاد والمال العرب، بحضور نائب رئيس الوزراء التركي علي باباجان، حيث شدّد على «أهمية التنسيق بين بلاده والدول العربية لمعالجة الأزمة السورية»، وعلى ضرورة «ألا تمس العقوبات المقترحة الحاجات الحيوية للشعب السوري وعلى رأسها المياه». وقد ركّز وزراء المال والاقتصاد العرب على «مراعاة مصالح الدول العربية المجاورة عند تطبيق هذه العقوبات»، وضرورة «ألا تمس الحاجات الحيوية للشعب السوري، وعلى رأسها المياه».