أحبطت عملية تفجير حافلة شركة «إيجد» في القدس، منذ أيام، محاولة رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، الاحتفاء ــ لو إيحاءً ــ بتقرير جهاز «الشاباك» الذي تحدث عن تراجع عدد العمليات في الأشهر السابقة. آنذاك، حاول نتنياهو توظيف الأرقام التي أوردها التقرير، ليقول إن سياسته الأمنية استطاعت تحقيق هذا الإنجاز. لكن ينبغي الاعتراف بأن الأخير كان حذراً في تباهيه بهذه النتائج، خوفاً من مفاجأة يوجهها أحد الشبان الفلسطينيين تسلبه فرحة الإنجاز، وهو ما أشار إليه بالقول إن «كل ذلك يمكن أن ينقلب».

برغم هذا، يمكن القول إن العملية تجاوزت ما تخوف منه رئيس حكومة العدو، فأكدت مرة أخرى تصميم الفلسطينيين على مواصلة الانتفاضة. وبرغم أن هذا الأسلوب (تفجير الحافلات) اعتمدته فصائل المقاومة خلال سنوات «انتفاضة الأقصى الثانية»، فإن الانتقال إلى هذه المرحلة في الظروف الحالية، يجسد قدرة الفلسطينيين على ابتكار وسائل تفاجئ العدو في مكانها وتوقيتها. وكشفت العملية أيضاً، أن الطوق الأمني الذي استطاع الحد من وصول القدرات المطلوبة إلى الضفة المحتلة، لم يسبب فقدان الإرادة، التي ثبت أنها قد تشكل تعويضاً نسبياً عبر الابتكار بما توافر من مواد أولية، مع تأكيد حاجة الشعب الفلسطيني الماسة إلى الاحتضان والدعم إقليمياً.
المؤكد أن هذه العملية بالذات ستتحول إلى محطة في سياق حركة الانتفاضة التي انطلقت منذ نحو ستة أشهر. فهي أعادت الهاجس من هذا النوع من العمليات إلى وجدان الإسرائيليين. وما يرفع منسوب القلق في إسرائيل أن أحداً في الأجهزة الأمنية لا يستطيع الجزم أمام الجمهور بأنها ستكون عملية يتيمة في سياق العمليات المقبلة في الانتفاضة. بل لا يستبعد أن تدفع هذه العملية منفذي الطعن والدهس، أو على الأقل جزءاً منهم، إلى استنساخها، وخصوصاً أن هذه العمليات تؤدي في أحيان كثيرة إلى استشهاد منفذها، فالمهم أن تكون من نوع يؤدي إلى نتائج أكثر قساوة على الوسط الإسرائيلي.

لا أفق إسرائيلياً للانسحاب من مناطق (أ) في الضفة قريباً

من جهة أخرى، ينبع القلق الإسرائيلي من قدرة المنفذ على تجاوز الإجراءات الأمنية المشددة التي تتبعها أجهزة العدو، لذا سيتمحور اهتمام الأجهزة الأمنية والسياسية حول السؤال: هل هذه العملية امتداد لأكثر العمليات التي ينفذها الشباب بوحي وإرادة ذاتيين بعيداً عن الانتماء التنظيمي، أم أن المنفِّذ ترجم ونفذ تعليمات قيادة عليا؟ ليست الإجابة مجرد استكمال للمعلومات، بل لها مفاعيل تتصل بتقديرات الإسرائيليين إزاء المقبل من الأيام، وصولاً إلى التوصية بردود فعل ستبادر إسرائيل إليها.
في الحالة الأولى، قد تجنح إسرائيل للميل إلى أن العملية بداية مسار وفق نمط جديد ــ قديم، يضاف إلى الأساليب الأخرى التي يعتمدها الفلسطينيون في انتفاضتهم. وهكذا، ستكون الأجهزة الأمنية أمام تحدّ جديد يجسدها ارتقاء الانتفاضة في أساليبها النضالية. وفي الثانية، أن تكون العملية تنفيذاً لتعليمات تنظيمية، فإن إسرائيل ستعمل على تدفيع الجهة التي تقف وراءها أثماناً على قاعدة تعزيز قدرة الردع، وذلك لاحتواء غضب شارعها، بالإضافة إلى حسابات تتعلق بالتنافس داخل معسكر اليمين.
وفي وقت لاحق، أعلن إعلام العدو استشهاد المشتبه فيه بتنفيذ هذه العملية، وهو عبد الحميد أبو سرور (19 عاماً، من مخيم عايدة في بيت لحم)، الذي قيل سابقاً إنه أصيب بجروح خطيرة، وهو ما يحرم العدو سهولة معرفة معلومات تتصل بالخلية التي كان يعمل فيها إذا كان منتمياً إلى تنظيم، أو الطريقة التي اتخذها لتنفيذ العملية إذا كانت فردية.
في هذه الأجواء، أقر المجلس الوزاري المصغر بالإجماع، خطة متعددة السنوات للجيش الإسرائيلي للأعوام ٢٠١٦ ـــ ٢٠٢٠، تسمح للجيش بالتزود بأسلحة متقدمة، وبتعزيز قوته إلى جانب تحسين كيفية استخدام الموارد الموجودة بحوزته حالياً. وقدم رئيس أركان الجيش، غادي إيزنكوت، إلى المجلس تقريراً حول محادثات التنسيق الأمني التي تجرى مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الحكومة، أوضح نتنياهو وموشيه يعلون وإيزنكوت، أن الجيش «يحافظ وسيواصل الحفاظ على إمكانية دخول مناطق (أ) وأي مكان آخر تتطلبه الاحتياجات الأمنية»، وأنه «ليست هناك أي تفاهمات أخرى بهذا الخصوص مع الفلسطينيين». وكان جيش العدو قد اقترح تسليم مناطق (أ) كلياً إلى أجهزة أمن السلطة، لكن الحكومة عارضت ذلك، علماً بأنه منذ عملية «السور الواقي» عام 2002، عندما اجتاح الإسرائيليون الضفة، لم ينسحب الجيش من تلك المناطق، التي تشكل نحو 20% من مساحة الضفة.
من جهة أخرى، كشفت صحيفة «هآرتس» عن غياب الصحة عن إعلان نتنياهو أن «إسرائيل هي الدولة الأولى في العالم التي ابتكرت اختراقاً تكنولوجياً يقدم رداً على تهديد الأنفاق»، لافتة إلى أن هذا الإعلان ينطوي على قدر من المبالغة. وأكدت الصحيفة أن ما تحقق لا يشكل «قبة حديدية تحت الأرض»، وإنما هو «دمج أفكار مختلفة ووسائل مختلفة للكشف، وهي في مراحل التنفيذ الأولية». وأضافت أنه لا تزال القدرة على تمشيط كل المنطقة والكشف عن الأنفاق بحاجة إلى إثبات، ناقلة عن الجيش تقديره أنه ستمر سنتان «حتى يكتمل نشر المنظومة وتعمل كلياً».
إلى ذلك، أعلن قائد المنطقة الجنوبية، أييل زمير، أنه في حال نشوب قتال مع قطاع غزة، توجد «خطة لدى الجيش لإخلاء السكان من مستوطنات غلاف غزة لمدة قصيرة، تتجاوز مدى صواريخ حركة حماس».