المغرب | الطوفان. تسونامي. الإعصار الهائج. تعدّدت العناوين والحدث واحد: اكتساح واضح للإسلاميين في الانتخابات النيابية المغربية السابقة لأوانها، والتي أُجريت يوم الجمعة الماضي، بحيث أظهرت النتائج الأولية التي أُعلنت تقدّماً بارزاً وتاريخياً لحزب العدالة والتنمية الإسلامي المعارض، وفوزه بعدد كبير من المقاعد فاق كل التوقعات. وتشير الترجيحات إلى أن عدد مقاعده قد يتجاوز مئة مقعد، وهو رقم قياسي وغير مسبوق، بعد انتخابات سجلت نسبة مشاركة متقدمة نسبياً عن استحقاق 2007 ، مع إعلان وزارة الداخلية المغربية أن النسبة تجاوزت 45 في المئة بقليل.

ووفقاً للنتائج غير النهائية، قال وزير الداخلية المغربي إن فرز ما مجموعه 288 مقعداً من أصل 395 أظهر تقدم حزب العدالة والتنمية بما مجموعه 80 مقعداً، متقدّماً بذلك على حزب الاستقلال الحاكم سابقاً، الذي حصل على 45 مقعداً، ويتوقع أن تفوق مقاعده الخمسين، متقدماً بدوره على حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة اللذين حصلا على 38 مقعداً و33 مقعداً على التوالي، فيما حصل حزب الاتحاد الاشتراكي على 29 مقعداً.
وأطلق الإسلاميون العنان لفرحتهم منذ بداية فرز الأصوات، ولا سيما بعدما أظهرت النتائج المتقاطرة إلى مقرّ الحزب اكتساحاً في عدد من الدوائر الانتخابية التي لم تكن معقلاً اعتيادياً للحزب، كمراكش وفاس.
وهنّأ الأمين العام للحزب الإسلامي، عبد الإله بنكيران، المغاربة بهذا الفوز التاريخي، شاكراً لهم ثقتهم بحزبه، مؤكّداً أن صدقية حزبه وإمضاءه سنوات في المعارضة، هما من جعلا المغاربة يختارونه كأمل للتغيير. وبخصوص تأليف الحكومة، قال إن «من السابق لأوانه الآن الحديث عن أي شيء. ننتظر تعيين الملك لرئيس الحكومة لنبدأ المشاورات. نحن منفتحون على الجميع. صحيح أننا لم نُخف اقترابنا من أحزاب الكتلة الديموقراطية، لكن هذا لا يعني أن التحالف من أجل تأليف الحكومة سيبقى منحصراً في الكتلة». لكنه وضع خطاً أحمر أمام التحالف مع العدو الأول للإسلاميين، حزب الأصالة والمعاصرة المقرّب من النظام.
من جهتها، أقرّت الأحزاب المؤلفة لتحالف «من أجل الديموقراطية» بالهزيمة النكراء. وأعلن المتحدث الرسمي باسم حزب الأصالة والمعاصرة، صلاح الوديع، أنّ حزبه يتقبّل النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع، وهنّأ الإسلاميين قائلاً «نحن كديموقراطيين نقبل أيّ نتيجة تأتي بها صناديق الاقتراع، وسنلتزم بما قررته لنا، وبالموقع الذي اختارته لنا». وذكرت مصادر لـ«الأخبار» أن الوضع داخل مقرّ حزب التجمع الوطني للأحرار كان أشبه بمأتم كبير.
وما إن تأكّد فوز الإسلاميين حتى انهالت التحليلات والتعليقات من كل حدب وصوب. ومع أنّ فرضية إسقاط تجليات السيناريو التونسي المفضي إلى فوز حركة «النهضة» الإسلامية كانت الأكثر ترجيحاً، كان هناك رأي آخر يرى وجود تباينات كبيرة بين السياقين، التونسي والمغربي. ويعلّق أستاذ العلوم السياسية، محمد ضريف، على هذه المقارنة بالقول «لا قياس. فالعدالة والتنمية يمارس العملية السياسية من داخل المؤسسة الدستورية منذ سنوات، وهذه ليست المرة الأولى التي يُرشّح فيها للفوز، على عكس ما حصل في تونس»، معتبراً أن تأثيرات تصاعد المدّ الإسلامي في المنطقة بعيدة عن كونها العامل الذي رجّح كفة الإسلاميين في المغرب. وتذهب الصحافية السياسية المغربية نادية لمليلي في الاتجاه نفسه، وتقول إن «حزب العدالة والتنمية قد اكتسب شيئاً من النضج السياسي الذي يؤهله لتسلّم السلطة حتى من دون تأثيرات رياح الربيع العربي». وتضيف «لأعضائه المنتخبين سمعة طيبة، وهو يحظى بدعم عدد من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية القريبة من المواطن، إضافة إلى عمله المحترم في صفوف المعارضة. وكل هذا منحه رصيداً مهماً من الثقة، وبالتالي فهو يحمل بارقة أمل بالتغيير بالنسبة إلى شريحة كبيرة من المغاربة الذين ملّوا بقية الأحزاب السياسية».
في المقابل، فإنّ السقوط المدوي لتحالف الثمانية المؤلّف من أحزاب تُدين بالولاء للسلطة خلّف ردود فعل متباينة بين من اعتبره مفاجأة وبين من اعتبره نتاجاً حقيقياً لصورة ما يعرف بـ«الأحزاب الإدارية» في ذهن المواطن. وفي هذا الخصوص تقول نادية لمليلي إن «سقوط تحالف الثمانية لم يكن مفاجئاً. واعتقد أنهم بحاجة إلى إعادة بناء إيديولوجية قوية تستطيع أن تخرجهم من جلباب وزارة الداخلية». وهو رأي يعزز الموقف السائد بأن معظم المغاربة، حتى ممن يوصفون بالحداثيين، اختاروا التصويت للإسلاميين كنوع من «التصويت العقابي» لقطع الطريق على أحزاب السلطة، أو كفرصة أخيرة تجريبية لحزب لم يسبق له أن ذاق طعم السلطة.
ومع بدء اتّضاح معالم الخريطة السياسية الجديدة في المغرب، انطلق الحديث عن التحالفات الممكنة لتأليف الحكومة الجديدة التي ستكون لها صلاحيات أوسع من الحكومات السابقة، على الرغم من احتفاظ الملك بصلاحيات أكبر. وتصبّ معظم التوقعات في خانة أن يتحالف حزب العدالة والتنمية مع أحزاب الكتلة الديموقراطية (الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية، الاستقلال) لتأليف الحكومة، وخاصة أنّ عدد مقاعده مجتمعة، إذا ما حدث التحالف، سيمكّنه من تأليف غالبية. وقد أبدى الأمين العام لحزب «الاستقلال»، عباس الفاسي، استعداده للتحالف مع العدالة والتنمية. ويعتقد محمد ضريف أنّ هذا السيناريو يبقى الأكثر واقعية، ولا يرى أن أحزاب الكتلة سترى أي مانع من التحالف مع الحزب الإسلامي لأنه الأقرب إليها، ويضيف «أعتقد أننا سنكون أمام حكومة ستعطي نفساً جديداً للديموقراطية في سابقة ثانية لحزب معارض يكلف بتأليف الحكومة بعد تجربة التناوب التي قادها الاتحاد الاشتراكي. نحن الآن أمام تحالف واضح، وسيكون إيجابياً أن تؤلف الحكومة من أربعة أحزاب فقط، لأن ذلك سيخلق الانسجام بين مكوّناتها».
ويستحضر العديد من المراقبين في هذا الإطار طيف المفكر المغربي الكبير الراحل محمد عابد الجابري الذي حلم بما يسمى «الكتلة التاريخية» التي تضمن النمو والاستقرار والاستمرار وتُبنى على المصلحة الموضوعية الواحدة التي تُحرّك، في العمق ومن العمق، جميع التيارات التي تنجح في جعل أصدائها تتردد بين صفوف الشعب. فهل يمكن هذا التحالف الممكن أن يكون تحقيقاً لوصية الجابري؟ الأيام المقبلة ستكشف عن ذلك.
وإن كان النظام في المغرب قد احتفى كما يجب «بنسبة مشاركة متقدّمة بالمقارنة مع الانتخابات السابقة»، وهو ما اعتبره ردّاً على دعوات من يسميهم المشكّكين والمقاطعين، فإنّ هذه النسبة لا تعدّ مطمئنة إلى ذلك الحد الذي يمكن معه القول إن المغاربة تصالحوا مع صناديق الاقتراع أو تجاهلوا دعوات المقاطعة. فقد امتنع ما يقارب ستة ملايين مغربي مسجلين في اللوائح الانتخابية عن الحضور إلى مكاتب التصويت، فيما لم تشمل القوائم الانتخابية جزءاً كبيراً من المواطنين البالغين السن القانونية للتصويت، وسجلت الكتلة الناخبة الإجمالية كذلك تراجعاً مقارنة بالانتخابات الماضية، وهو ما يعتبره المقاطعون أنه كان متعمّداً لمحاولة الرفع من نسبة التصويت. وكانت لجنة المراقبين الأوروبيين قد سجلت ملاحظات في تقريرها عن سير العملية الانتخابية، مشيرة إلى أنه لم يتح الوقت الكافي لتسجيل المزيد من الناخبين المؤهلين للتصويت. كذلك سجلت وجود نسبة كبيرة من الأوراق الملغاة داخل صناديق الاقتراع (كثير من المغاربة رموا ورقة التصويت فارغة). وتنظر نادية لمليلي إلى نسبة المشاركة على أنها نسبة متوسطة «رغم أنّها تظهر تقدماً مقارنة مع ما سُجّل عام 2007». لكنها تُضيف أنّه كان «هناك ضعف فيها، وتعكس أنّ المغاربة لم يصوّتوا بكثافة ويمكن أن تتراجع هذه النسبة إذا لم تُلبّ طموحات المغاربة»، فيما رأى رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية، طارق أتلاتي، أنها «نسبة لا بأس بها في ظل وجود اتجاه ينادي بالمقاطعة».
في هذه الأثناء، دعت حركة «20 فبراير» المقاطعة إلى مسيرات في أكثر من 60 مدينة، أمس، من أجل مواصلة التعبير عن رفضها لمنهجية إجراء الانتخابات، وما دعته «تزييفاً للإرادة الشعبية»، وذلك تحت شعار «برلمان الاستبداد لا يمثّلنا والتغيير هدفنا»، فيما يُنتظر أن يستمر الحراك الشعبي في الشارع المطالب بالمزيد من الإصلاحات السياسية وإسقاط الفساد.
وقد سُجّل العديد من التجاوزات والخروقات في عدد من المدن المغربية في يوم الاقتراع، بحسب ما ذكره مراقبون وما أوردته عدّة تقارير وشكاوى تقدّم بها عدد من الأحزاب السياسية، في وقت قلّل فيه رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان (منظمة حكومية يعيّن الملك رئيسها)، إدريس اليزمي، المكلف بإعداد تقرير عن السير العام للانتخابات، من أهمية هذه الخروقات، مشيراً إلى أنها لا تمسّ نزاهة الانتخابات.
وهكذا استطاع الإسلاميون الوصول إلى الحكم في المغرب للمرّة الأولى في تاريخهم. أهي صدفة أم استحقاق أم تسوية ما قادتهم إلى الريادة؟ المهم الآن هو كيف سيرسمون العلاقة مع القصر الملكي؟ وهل سيكونون قادرين على تأليف حكومة قوية لا تختفي خلف جلباب المؤسسة الملكية وتؤسس لبداية الطريق نحو تلبية مطالب الشارع تدريجاً وتصنع تغييراً يقود نحو الديموقراطية من داخل النظام؟ أسئلة سيكون على إخوان بنكيران الاجتهاد في الإجابة عنها.




المقاطعون يحتفلون أيضاً

رأى الداعون إلى المقاطعة أن الحملة كانت ناجحة وموفقة، مع تشكيكهم في نسب المشاركة المعلنة. وقال بيان لحركة «20 فبراير» إنها تهنّئ الشعب المغربي على مقاطعته الناجحة لـ«مهزلة الخامس والعشرين من نوفمبر». وأضاف أنه «رغم الترسانة الإعلامية التي توافرت للسلطة، لم تنطل حيلها على المواطنين؛ فلم نشاهد طوابير ولا صفوفاً متراصة أمام مكاتب الاقتراع».
وأضاف البيان أنه «على الرغم من كون مؤشر المقاطعة غير قابل للحساب سياسياً، فإن 55 في المئة أحجموا عن التصويت، بينهم إحجام واع وفق موقف سياسي ومقاطعة أخرى غير واعية ». لكن نسبة المقاطعة الواعية ارتفعت كثيراً، بحسب نادية لمليلي، مشيرةً إلى أنه «لأول مرة كان هذا النقاش القوي حاضراً بخصوص الدعوة إلى المقاطعة التي كان هناك متجاوبون معها»، في وقت أشار فيه ناشطون إلى نسبة مشاركة معدومة في بعض المناطق والقرى المغربية، كإميضر وأيت بوعياش.