غزة| اختطف مسلحون ملثمون فجر أمس أربعة شبان فلسطينييين في شمال سيناء، بعد خروجهم من معبر رفح بحافلات الترحيل في طريقهم إلى مطار القاهرة. تعددت الروايات حول الجهة المسؤولة عن عملية الخطف وسط شكوك كبيرة، بسبب السماح لحافلات المرحلين بالعبور ليلاً في الوقت الذي يكون فيه حظر التجوال قد بدأ في مناطق شمال سيناء، وهو أمر غير معتاد، لأنه عادة يجبر المرحلون على النوم في صالات المعبر غير المجهزة لهذا الأمر حتى يحل صباح اليوم التالي ويغادروا إلى القاهرة، برفقة مندوب من السفارة الفلسطينية في مصر، وأحياناً بوجود ضباط مصريين بالزي المدني.


وهذه الحافلات ينقل فيها الذين يمنعون من دخول مصر ويقتصر على مرافقتهم، بعد سحب جوازات السفر منهم، إلى مطار القاهرة حصراً ليغادروا البلاد فوراً.
«حركة المقاومة الإسلامية ــ حماس»، التي تنقل مصادر متقاطعة أن اثنين على الأقل من الأربعة المخطوفين هم من عناصر ذراعها العسكرية «كتائب القسام»، سارعت إلى تحميل السلطات المصرية المسؤولية عن الخطف بطريقة غير مباشرة. وقالت في بيان رسمي أمس، إن «اختطاف أربعة من المواطنين في سيناء حدث خطير لا يمكن تجاوزه، فللمرة الأولى تكسر كل الأعراف الدبلوماسية والأمنية للدولة المصرية... يبدو أنه انقلابٌ أمني وخروجٌ على التقاليد». وطالبت بـ«سرعة ضبط هذه العناصر وإعادة المختطفين، حتى لا يؤثر ذلك في العلاقات الفلسطينية ــ المصرية في الوقت الذي يسعى فيه الطرفان إلى توطيد هذه العلاقة».
في المقابل، نفى المصريون ذلك، واتهموا «أنصار بيت المقدس (حالياً ولاية سيناء)» باختطاف الفلسطينيين الأربعة. وقد انقسمت المصادر القبلية في شمال سيناء إلى شطرين: الأول يتهم الدولة بالوقوف وراء الأمر على ما نقلت وسائل إعلامية تابعة لـ«حماس»، والثاني ينسب القضية جملة وتفصيلا إلى «ولاية سيناء»، ولكن ما لا يمكن الاختلاف عليه أن العملية «أمنية» قبل كل شيء، واعتمد فيها على معلومات مسربة من غزة أولاً، وإدارة المعبر ثانياً. وقد أعلنت، في وقت لاحق، بعض الحسابات على «تويتر» المسؤولية عن الخطف نسبة إلى «ولاية سيناء»، لكن ذلك لم يؤكد حتى وقت كتابة هذا التقرير. في هذا الوقت، دخلت إسرائيل على الخط، وذكر موقع «واللا» المقرب من جيش العدو، أن «الأجهزة الأمنية المصرية هي التي اختطفت الفلسطينيين الأربعة بعدما تبين أنهم من الكوادر البارزة في الكوماندوز البحري التابع لحماس، وكانوا في طريقهم لتلقي تدريب مكثف في إيران على مهاجمة إسرائيل عبر البحر».


إذا كان الخاطفون «داعش»، فالمرجح عملية تبادل... وإلا فمصيرهم مجهول


في تفاصيل عملية الاختطاف، قال شهود عيان لـ«الأخبار»، كانوا على متن الحافلة، إن مسلحين هاجموهم بعدما سمح لهم بالعبور في ساعة متأخرة من الفجر، من دون أي حماية أمنية مصرية. وبعد إطلاق النار ــ على بعد كيلومترين من المعبر ــ في الهواء لإيقاف حافلتين، دخل المسلحون الحافلة الأولى ونادوا على أسماء خمسة أشخاص تبين وجود أربعة منهم على متن الحافلة، وسارعوا إلى أخذ ثلاثة منهم لمعرفتهم المسبقة بوجوههم، فيما تأكدوا من الرابع عبر تحقيق سريع عن اسمه، علماً بأن السلطات المصرية كانت قد منعت مرور الخامس من المعبر وأرجعته في الصباح إلى قطاع غزة، وهو الإجراء المتبع مع الممنوعين أمنياً.
ويروي اثنان من الذين كانوا على الحافلة، أن المسلحين عمدوا إلى ضرب وإهانة الأربعة، كما أجبروهم على خلع ثيابهم، ثم صادروا حقائبهم الشخصية. وفي وصف المسلحين الملثمين، قالا إنهم كانوا يحملون «أسلحة خفيفة (مسدسات ورشاش آلي) ويرتدون عباءات قصيرة يمكن رؤيتها في إصدارات داعش»، كما أن لهجتهم كانت بين البدوية والمصرية. وقد هددوا بأنهم سيؤذون جميع الركاب إذا لم يستجب المطلوبون الذين كان أحدهم يضع ضمادات على جسده، وقالت مصادر محلية أخرى إنه كان متوجهاً إلى تركيا لتلقي العلاج من إصابة سابقة في الحرب الأخيرة على غزة. بعد ذلك، جرى إرجاع الحافلتين إلى المعبر، قبل مغادرتهما وحافلات أخرى صباح أمس.
عموماً، فإنه على الصعيد المصري، كان الحديث يدور حول أن الهدف من العملية هو «تنفيذ عملية تبادل بين المختطفين، والمعتقلين من أتباع السلفية الجهادية، في سجون حماس»، كما بررت المصادر المصرية غياب المرافقة الأمنية بأن الحافلة خرجت خلال «حظر التجوال المعمول به في شمال سيناء منذ ستة شهور». وأوردت مواقع فلسطينية أن المختطفين هم: ياسر زنون، وحسين الزبدة، وعبد الله أبو الجبين، وعبد الدايم أبو لبدة، قائلة إنهم من عدة اختصاصات في الكتائب، ومن سكان عدة مناطق في القطاع.
وفي غزة، خرجت مسيرة لمناصري «حماس» بعد ساعات من عملية الخطف للمطالبة بالإفراج عن المختطفين. وحمل المتظاهرون، الدولة المصرية، المسؤولية، وطالبوها بالعمل على الإفراج عنهم فوراً، فيما قال النائب في المجلس التشريعي عن الحركة، إسماعيل الأشقر، لـ«الأخبار»، إنه «ليس لدينا معلومات تفيد بأن هذه المجموعات أو تلك (داعش) هي اختطفت المواطنين الفلسطينيين». وأضاف في تصريح مقتضب: «عندما تأتي المعلومات الدقيقة سيكون لنا موقف رسمي». كذلك رفض القيادي في «حماس»، يحيى العبادسة، توجيه اتهام مباشر إلى السلطات المصرية بأنها وراء الاختطاف، لكنه قال إن «السلطات المصرية هي من تقف على المعبر، وهي من سمحت لهؤلاء المواطنين بالدخول عبر أراضيها، وهي المسؤولة عن حياتهم وتأمينهم حتى يصلوا إلى طريقهم». وحول اتهام داعش، قال العبادسة: «لا نريد أن نخلط الأوراق، فالمواطنون خُطفوا في منطقة تُسيطر عليها الاستخبارات الحربية المصرية كليا، ولا صحة للأخبار التي يجري تداولها عبر المواقع الإعلامية الصفراء»، وفيما رفض الحديث عن تفاصيل أخرى، أكد أن «حماس لديها توقع واحد فقط هو الإفراج عن المواطنين الأربعة، وعودتهم إلى أهاليهم سالمين».
وفي وقت لاحق، قال مصدر في «القسام» إن الاختطاف كان «عملية مدبرة، والترجيح الموجود لدى القسام أن الاستخبارات المصرية هي التي اختطفتهم». وأضاف المصدر: «هناك خوف من اختفاء العناصر إلى الأبد أو تسليمهم إلى إسرائيل»، مشيراً إلى أن «ما جرى أمر خطير ويمثّل تهديداً طويل الأمد لكل عناصر حماس من جانب الدولة في مصر، ما يدعونا إلى التمنع عن السفر عبر رفح» بعد قضية الشاب الذي اعتقله الإسرائيليون أخيراً في معبر «بيت حانون» واتهم بأنه ينتمي إلى «القسام».
ولكن مصادر أخرى في «القسام» تتخوف من أن يكون العمل إسرائيلياً والتنفيذ بيد عربية، على أنهم يستبعدون سيناريو إعلان إسرائيل اعتقالهم، لأن ذلك سيحرج مصر في حال تبين أن العدو نفذ عملاً أمنياً على أراضيها. أما السيناريو المخيف، فهو أن يجري التحقيق مع المختطفين في سيناء ثم يقتلوا ويهرب المنفذون.
في سياق آخر، أفرجت سلطات مطار القاهرة، أمس، عن وكيل وزارة الأوقاف في غزة حسن الصيفي، ورحّلته إلى القطاع بعد احتجازه في المطار بسبب «إدراجه على قوائم ترقب الوصول من إحدى الجهات الأمنية». وكان الصيفي قد وصل القاهرة الإثنين الماضي آتيا على متن خطوط «مصر للطيران» من جدة، فيما قالت مصادر أخرى إن سبب الاحتجاز «سياسي فضلا عن شكوك في نقله أموالا إلى حماس».