ايفري | على الطريق الجبلي المؤدي إلى قرية إيفري في مرتفعات جبال الصومام الواقعة بمنطقة القبائل (الأمازيغ)، تكتظ الجنبات بمئات العجائز والشيوخ والشباب والأطفال، وهم يسيرون نحو البيت الذي عُقد فيه مؤتمر الصومام التاريخي ذات 20 آب/ أغسطس من سنة 1956، تزينهم الأعلام الوطنية والملابس التقليدية احتفاء بالمناسبة.


تكتسي ذكرى مؤتمر الصومام عند هؤلاء أهمية كبيرة تضاهي أهمية بقية الأعياد والمناسبات التقليدية التي يحيونها. فهم لا يزالون يحتفظون لقادة الثورة الجزائرية بجميل لاختيار قريتهم لعقد أول مؤتمر كان له شأن عظيم في تنظيم صفوف الثورة وتحديد أهدافها التي انتهت بالاستقلال من الاستعمار الفرنسي (1962).

تقول إلنا مريم، وهي عجوز (أمازيغية) تزينت بالفستان التقليدي المزركش بالألوان الفاقعة، إنها وقريناتها ممن عاصرن الثورة في إيفري لا يفوّتن أبداً الاحتفال بهذه المناسبة كل عام، لأنها تمثّل بالنسبة إليهن حدثا عظيما التقى فيه كل أبطال الثورة وقادتها بقريتهم الصغيرة النائية برغم الحصار الشديد الذي كان يفرضه الاستعمار على المنطقة.
ولا تستقطب قرية إيفري في ذكرى انعقاد مؤتمر الصومام أبناءها فحسب، بل يشدّ الجزائريون الرحال من كل حدب وصوب، منهم من يأتي احتفالاً واستذكاراً، ومنهم من يأتي استجابة لنداء الأحزاب السياسية التي تحيي المناسبة بالوقفات والخطب، وبعضهم يأتي من أجل السياحة وتمضية الوقت بين الآثار والمتاحف التاريخية.
ويظهر من هوية السيارات والحافلات المركونة في إيفري أن الاحتفال يأخذ البعد الوطني بمعناه الحقيقي، فثمة الآتون من ولايات أقصى الشرق والغرب، وحتى من ولايات الصحراء الجزائرية البعيدة جداً عن ولاية بجاية التي بها قرية إيفيري، كما تظهر من ملامح الحاضرين مختلف الألوان التي تكوّن الفيسفساء الجزائرية.


تاريخياً، كان
المؤتمر بمثابة
أول اجتماع لقادة الثورة بعد اندلاعها

كل الوافدين إلى قرية إيفري يوم 20 آب، عينهم على مكان واحد هو البيت الذي احتضن مؤتمر الصومام. هذا البيت حوّلته السلطات إلى متحف أثري يروي قصة المؤتمر وما جرى فيه من نقاشات وحوارات، وما تمخض عنها من مقررات. زائر البيت يشعر بذلك الدفق التاريخي الذي لا يزال يسكن المكان برغم مرور 59 عاماً.
على تواضع البيت وبساطته، احتضن قادة خمس ولايات تاريخية كانت تقسم الجزائر ثورياً ذلك الوقت، مثلما تشير إليه صورة معلقة على جداره يظهر فيها عبان رمضان وزيغوت يوسف والعربي بن مهيدي وكريم بلقاسم وعميروش مصطفى بن عودة، بينما غابت ولاية الأوراس الأولى لظروف قاهرة بعد استشهاد قائدها مصطفى بن بولعيد.
أما خارج البيت، فهُيئت ساحة واسعة لاحتضان الزوار، وقد اصطف فيها شباب الكشافة الإسلامية بطبولهم يقرعون ألحان الحرية وأناشيد الثورة الرسمية. وفي مكان آخر يقف الحاج علي، أحد المجاهدين السابقين، وهو ينشد بالأمازيغية لبطليه الثوريين العقيد عميروش الملقب بثعلب الثورة وعبان رمضان مهندس مؤتمر الصومام، غير مستسلم للتعب كلما طُلب منه الإعادة، وكاميرات الزوار في كل ذلك، توثّق تلك اللحظات التاريخية ومنهم من يبلغ به التأثر، مثل الحاجة فاطمة، حد ذرف دموع حارة ولّدها الحنين إلى ذلك الزمن «الذي كان فيه الجزائريون يحبون بعضهم بعضا، ويؤثرون غيرهم على أنفسهم»، كما تقول في عبارات لا تخلو من إسقاطات على الحاضر.

أولوية السياسي

20 آب ليس فولكلورا فقط، ولكنه سياسة أيضاً. هذه المناسبة ما زالت تلهم السياسيين على أكثر من صعيد، إذ هم يحرصون على إثبات وجودهم فيها عبر حشد المناضلين وإعلان المواقف السياسية. في المكان شوهد مثلاً المرشحان الرئاسيان السابقان، علي فوزي رباعين وبلعيد عبد العزيز، وكذلك مسؤولون في «حزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية»، وهو أحد الأحزاب في منطقة القبائل، التي ترى أن مؤتمر الصومام هو العمل المؤسس للدولة الجزائرية العصرية.
غير أن أكبر حشد كان لـ «جبهة القوى الاشتراكية» (الأفافاس) التي تحرص على الاحتفال بالمناسبة كتقليد تبناه الحزب كما يقول المسؤول عن الإعلام في الحزب، يوسف أوشيش. وقد حضر مناضلو «الأفافاس» المتجذر في منطقة القبائل، الذي أسسه زعيم تاريخي هو حسين آيت أحمد من مناطق شتى كقسنطينة (الشرق) وغرداية (الجنوب) بالإضافة لولايات الوسط القريبة نسبياً.
ويمكن القول إنّ أهم عامل جذب للسياسيين إلى مؤتمر الصومام، وخاصة في جانب المعارضة، يتمثل في أحد المبادئ التي كرسها ولا تزال «حلماً» ينتظر التجسيد برغم مرور كل تلك السنوات. هذا المبدأ هو «أولوية السياسي على العسكري»، وهو يعني خضوع العسكريين للقيادة السياسية، بينما واقع الحال كما تقول أحزاب المعارضة إن الجيش كان صانع الرؤساء في كل فترات الاستقلال، فيما لم يسمح للبلاد بأن تتولى الحكم قيادة سياسية بالمعنى الديموقراطي الحقيقي.
عن ذلك، يقول السكرتير الأول لـ»الأفافاس»، محمد نبو، في الكلمة التي ألقاها للمناسبة، إن «أولوية السياسي على العسكري لا يزال لها معنى إلى اليوم برغم أنها أعلنت في 1956».
واللافت أن سيطرة النبرة المعارضة وهيمنتها على الاحتفالات، باتتا تجعلان المسؤولين الرسميين يتخلفون عن الحضور، برغم ما لمؤتمر الصومام من أهمية في التاريخ الرسمي، وهذا ما استغله المعارضون ليهاجموا السلطة التي يقولون إنها «أصبحت تتنكر لتاريخ الثورة».


«انتقال إلى المؤسسات»

تاريخياً، كان مؤتمر الصومام بمثابة أول اجتماع لقادة الثورة بعد اندلاعها في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 1954. يروي الرائد لخضر بورقعة، قائد الولاية الرابعة تاريخياً، في محاضرة أقيمت خصيصاً للمناسبة إن «الغموض كان سيد الموقف عند المجاهدين في الجبال حول مصير الثورة بعد اندلاعها، إذ لم يكن هناك تنظيم محكم يضبط تحركاتهم، كما أن جماعات معادية من الجزائريين بدأت تظهر وتحارب جيش التحرير الوطني». ويؤكد بورقعة أنه في حينه كان لا بد من آليات لترجمة «بيان أول نوفمبر» في الميدان، موضحاً «لقد سرنا مدة 18 شهراً دون خطة سياسية أو برنامج وكنا عاجزين عن المواجهة في بعض الأحيان»، قبل أن يستدرك بالقول إنّ «مقررات مؤتمر الصومام جعلت جبهة التحرير الوطني تفاوض من موقع قوة الاستعمار الفرنسي في إيفيان».
أما الباحث في التاريخ، عمر محند عمر، فيرى أن مؤتمر الصومام نقل الثورة إلى مرحلة المؤسسات، فأصبحت لديها حكومة هي لجنة التنسيق والتنفيذ وبرلمان هو المجلس الوطني للثورة الجزائرية وقد استقطب في ذلك مكونات سياسية لم تشارك في الثورة. ويرى أنّ المؤتمر نظّم العمل الثوري على الأرض من خلال التقسيمات الجغرافية التي استحدثها، إضافة إلى استحداث الرتب في الجيش وتكريس أولوية السياسي على العسكري التي تأسّف على أنها لم تدم طويلا.




بوتفليقة: الاستعمار لم يكن قدراً محتوماً

رأى الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، أمس، أنّ «الذكرى المزدوجة (لـ20 آب) تستمد عمقها التاريخي ومعاني القوة والسمو من عظمة أولئك الرجال الذين آلوا على أنفسهم أن يصنعوا التاريخ حين اقتنعوا بوعيهم وبصيرتهم بأن الاستعمار لم يكن قدرا محتوما لا فكاك منه».
وجاء حديث بوتفليقة في رسالة صدرت عنه لمناسبة إحياء «اليوم الوطني للمجاهد»، وقرأها نيابة عنه في مدينة قسنطينة التي تحتضن هذا العام الإحتفالات الرسمية، وزير الثقافة، عز الدين ميهوبي. وأشار الرئيس الجزائري إلى أنّ الذكرى المزدوجة (هجمات الشمال القسنطيني 1955 وانعقاد مؤتمر الصومام 1956) أتت لتؤكد قناعة «أولئك الرجال» بأن «إرادة الشعوب المتوثبة لكسر أغلال القهر والاستبداد تسمو على ما سواها، مهما بلغت من الصلف والغطرسة».
وبرغم التوتر السياسي بين البلدين، قال بوتفليقة في رسالته: «لما كان يوم 20 غشت (آب) الأغر هذا يرمز كذلك لتضامن شعبنا الأبي مع أشقائه في المملكة المغربية، أغتنم هذه الفرصة لأؤكد، بإسم الشعب الجزائري، تمسك الجزائر بمشروع بناء صرح الـمغرب العربي في كنف الوفاء لتلك القيم السامية التي جمعتنا إبان مكافحتنا للإستعمار، قيم الحق والحرية والوحدة والتقدم المشترك».
(الأخبار)