دمشق | لا يمكن أن يكون الصباح أجمل مما هو عليه في باب توما: تنساب خيوط الضوء بنعومة هنا كصوت فيروز. بائع الصحيفة يرميها على شرفة الغرفة. في قلب المدينة، هدوء. وأم فادي تحمل إليك مع الزهورات مربى أشهى من كلمتي صباح الخير على شفتيها. فَقَدَ خبر التظاهر في هذا الحي أو تلك القرية طعمه، يشبه سائق الأجرة، في طريقه الصباحي من باب توما إلى كلية الطب في جامعة دمشق، التظاهرات بالأسماك. ثبت أن تظاهرة المؤيدين للنظام الكبيرة تأكل تظاهرة مناهضيه الصغيرة.


وثبت أيضاً أن التظاهرة الصغيرة لن تتردد أبداً في التهام التظاهرة الكبيرة، لو قدر لها ذلك. يرفض السائق تجاوز الإشارة الحمراء، تقتضي الظروف برأيه مساعدة الشرطة وعناصر حفظ النظام لا استغيابهم واستغلال تعبهم. ويؤكد بالمناسبة أن عديد العسكريين الذين يتنقلون بين المناطق السورية منذ تسعة أشهر لا يتجاوز ثلث الجيش السوري، والحديث بالتالي عن تعب العسكر مضحك. حين يتعب الثلث الأول سيستبدل بالثلث الثاني ليرتاح الأول بضعة أسابيع قبيل العودة إلى الميادين. أما الثلث الثالث فعلى أتم جهوزيته للتدخل السريع حين تستدعي الحاجة ذلك. مع العلم أن قوات الاحتياط لم تستدع بعد. «يقسموا الجيش؟ ولا في أحلامهم! لو أعدوا الدرس الاستخباراتي بشكل جيد لتأكدوا أن ذلك مستحيل»، يردد السائق. في الجيش السوري يعلمون أن المرادف لكلمة انشقاق هو انتحار. يضحكه أيضاً أن لا يجد المجتمع الدولي قائداً عسكرياً يُزعمه «جيش سوريا الحر» إلا ضابطاً برتبة عقيد. «في بعض الدول العقيد قصة كبيرة»، يتابع السائق، أما في سوريا فهناك أكثر من ألف عقيد. وفي بعض أحاديث الشام، إشارات إلى رفض بعض الضباط محاولة قيادتهم إبعادهم عن مناطقهم حرصاً منها على عدم استفزازهم، فأصر هؤلاء على قيادة الحملات العسكرية بأنفسهم. الحرص على حماية هؤلاء من العقوبات المالية الغربية يقتضي عدم ذكر أسمائهم، لكن من قاد الجيش حين دخل مدينة حماه كانوا ضباطاً حمويين وقادة الانتشار في درعا كانوا درعاويين.
نعود إلى الأساس، خبر التظاهرات بات ثانوياً جداً، الأهم هو العمليات العسكرية التي يشنها مرتزقة الجيش السوري الحر والمسلحون هنا وهناك. على الإعلام السوري برأي السائق تخفيف اهتمامه الكبير بهذه العمليات لأن تسليط الضوء على هذه المجموعات يشجع عناصرها ويوحي لبعض الرأي العام بأنهم أقوياء ويلحقون الخسائر المادية والمعنوية بأنصار النظام. مراجعة أحاديث اليومين الماضيين تؤكد دقة ملاحظة السائق: الخبر الأساسي الذي يشغل السوريين اليوم يرتبط بالعمليات العسكرية. الجزيرة تجعل من إصبعي ديناميت هجوماً صاروخياً كاد أن يسقط هيبة النظام في دمشق بالذات، وسانا تجعل من تفكيك الأمن لعبوة ناسفة تخليصاً لسوريا من مخطط فتنة وحرب أهلية. طرفا النزاع – كل لأسبابه الخاصة – يضخمان العمليات الأمنية. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن تفشي السلاح العلني بين المعارضين المفترضين واحتفاء الجيش السوري الحر بعملياته العسكرية يوحيان بأن النظام لم يكن يكذب في بداية الأحداث حين كان يحلف أن هناك قناصة من غير العسكريين وعناصر الأمن يطلقون الرصاص على المتظاهرين لتوتير الأوضاع أكثر. وقع النظام في فخ جحا الذي أكثر من الكذب حين لم تكن الحاجة تستدعي ذلك، فظنه كثيرون يكذب حين استدعت الحاجة. الأكيد أن التظاهرات ما كانت لتسقط النظام وحدها، كان لا بد للمتظاهرين ومن انضم إليهم من العمل العسكريّ.
نصل أخيراً إلى الجامعة. البلاد في «ثورة» منذ تسعة أشهر وليس على بوابة الجامعة من يدقق جدياً في الهويات، كما لم تمس «الثورة» على الرئيس تمثال والده في باحة الجامعة. أكثر من ذلك: لم تحصل محاولة جدية واحدة للتظاهرة انطلاقاً من الجامعة الأكبر في سوريا. الثورة تستثني الجامعة إذاً؟ تقريباً، يقول أحد الطلاب. ففي ظل حماسة الجوامع فضلت «الثورة» تركيز جهدها هناك. يكذب القائلون إن مكان التجمع الوحيد المتاح للشعوب العربية هو الجوامع. في الجامعات يجتمعون، وفي ملاعب الرياضة والأسواق والسهول الزراعية والمصانع وغيرها الكثير الكثير. للتظاهر انطلاقاً من الجامع أسباب أخرى غير المعلنة، فعناصر الأمن يتحكمون بخطيب الجامع والمؤسسة التي تدير الجامع ويحاصرون جدرانه تماماً كما يفعلون في مختلف أماكن التجمع الأخرى، وربما أكثر. حصلت بحسب بعض الطلاب عدة محاولات لتجمع الطلاب الراغبين بإسقاط النظام، لكن أعدادهم بقيت أقل بكثير من أعداد المؤيدين للنظام، ابتلعت التظاهرة الكبيرة التظاهرات الصغيرة؛ اسألوا جامعة حلب. وسرعان ما اكتشف الأمن أهم الناشطين الجامعيين فاعتقلهم. «الثورة» تنجح حين يتجاوز عدد المتحمسين للثورة عدد الزنزانات. فضلاً عن إيصال الأمن في بعض الكليات الجامعية الصغيرة رسالة واضحة عن استعداده لأن يمارس داخل الجامعات نفس الأساليب التي مارسها خارجها في حال نقلت المعركة إليها، فهدأ الطلاب.
في سوريا، توحي أحاديث المواطنين وانتقاداتهم المتنوعة لمختلف أسس النظام السوري، الاقتصادية والسياسية والأمنية، أن حاجز الخوف كسر لكن ليس هناك ثورة ولا ثوار. ثمة بعض المتظاهرين في بعض الأحياء والقرى يجتمعون في ساحة، يتصورون، يتأكدون أن صورتهم ستبث على الفضائيات الأجنبية ويعودون إلى منازلهم. لو ثارت قرية سورية واحدة أو كلية جامعية بكامل أهلها لما تمكن الجيش وعناصر الأمن من دخولها. السلطة تتحدث عن بيئة حاضنة. «في بعض أحياء حمص ثمة بيئة حاضنة للثوار»، بمعنى أن أغلبية القاطنين في الحي يؤيدون الثوار وهذا ما يجعل دخول الجيش والأمن إلى تلك الأحياء صعباً جداً. في حماه، تظاهر كثيرون، لكن المدينة كمدينة وليس كبعض الأشخاص والمجموعات لم تكن حاضنة للثوار، فتمكن الجيش وعناصر الأمن من الدخول إلى الأحياء الحموية وإخماد الحراك أو السيطرة عليه. وهناك ثمة مبدأ عام في التظاهر: في النضال والثورات، لا نفع للتظاهر إن كان المحتج سيتظاهر ساعتين ويعود سالماً إلى منزله. سينتهي كل شيء ويتم وأد مطالبه فور انتهاء تظاهرته. إن رغب بإنجاح ثورته واستثمار تحركه جدياً في الإعلام، فمن الضروري أن يستفز عناصر الأمن ومكافحة الشغب ليضربوه أو يقتلوه. ليس الأمن السوري بساذج لإطلاق الرصاص على متظاهرين سلميين لقتلهم وتبرير تظاهرهم في اليوم التالي أثناء تشييعهم شهداءهم، إضافة إلى إثارة الرأي العام المحلي والدولي ضده. من استفاد من القتل؟ النظام ربما، المعارضة أكيد.
في مقهى قريب من الجامعة، يجتمع ثلاثة ممن طاولتهم العقوبات الأوروبية الأخيرة بصفتهم شركاء في القتل. أحدهم ذنبه الوحيد أنه تعارك بعد بضع كؤوس مع أحد المعارضين إثر نقاش عقيم في أحد المطاعم، وهو مجرد مؤيد لنظام لا تربطه به أي علاقات أمنية أو مادية. الثاني مهندس كومبيوتر يكرس جهوده الالكترونية منذ بدء الأزمة لتسويق روايات النظام بشأن الأحداث وفضح بعض أكاذيب المعارضين. الثالث محام يصدف أن غالبية الشركات الأجنبية، ولا سيما الأوروبية، وكلته الدفاع عنها أمام المحاكم السورية لقربه سياسياً من النظام. ينظر الشبان الثلاثة إلى بعضهم البعض ويضحكون، قبل البدء بتخمين الأسباب الحقيقية التي دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تقليدهم الوسام الأخير. أحدهم يعتقد أن القصاص الأوروبي كان يفترض أن يطول الكثير الكثير من أركان الدولة ممن يتقدمونهم في الأهمية والدور قبل أن يصلهم. فيما يسأل الآخر عن كيفية تقسيطه سيارة مصفحة من لبنان بعدما أصبح فجأة شخصية مرموقة تطالب الدول الأوروبية برأسه. ويخرج آخر دفتر حساباته المصرفية ليبين أن الاتحاد الأوروبي هدف من خلال عقوبته إلى حرمانه قرابة سبعين يورو هم كل ما يملكه في حسابه المصرفي. يضحك الشباب، لكن أحد الحاضرين لا يؤانسهم في الضحك. يلعب الأخير دوراً نقابياً مهماً في سوريا وهو مؤيد للنظام لألف سبب وسبب، فيما يتركز عمله في دولتين أوروبيتين. يشعر الآن بأن حريته مقيدة وأن موقفه السياسي سيؤثر سلباً على موقعه المادي. هو كما يظهر وجهه الأصفر يخشى العقوبات، ويفكر مرتين بالخيارات المتاحة أمامه. يهرب من موقفه السياسي إلى موقعه المادي أو العكس؟ الإجابة صعبة. وهو ليس وحيداً، هناك أعداد من التجار وأصدقاء النظام ورجال الأعمال يعيدون حساباتهم بصمت وبعيداً عن الأنظار. تترك العقوبات أثرها إذاً. ثمة شركات لبنانية وأخرى أجنبية قررت مجاراة الاتحاد الأوروبي من دون مبرر وسحب توكيلها للمحامي المعاقب، ولم تتخذ السلطات السورية بعد موقفاً تجاه هذه الشركات، فيما يلفت الرجل الالكتروني إلى أن الكثير من أصدقائه على «فايسبوك» محوه من قائمة الأصدقاء.
من يطلع على حجم الدعم – الروسي والإيراني عسكرياً، العراقي والإيراني اقتصادياً، المحلي شعبياً وعسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً – الذي تتلقاه القيادة السورية يتأكد أن سوريا قوية، ونظامها بألف خير. من يجل في سوريا مستمعاً ومشاهداً يستنتج أن هناك شباباً طيبين رغبوا بكل نية حسنة في الانتفاض على ما يرونه ظلماً سياسيا واقتصاديا لاحقاً بهم، لكن لم ينجح هؤلاء في جذب العدد الضروري من المواطنين لإنجاح انتفاضتهم كما حصل في دول أخرى. فهدأ بعضهم محاولاً الاستفادة من التغيير الذي حصل في المجتمع السوري ليبني عليه وينتزع بفضله إصلاحات من السلطة، فيما يصر البعض الآخر على الانتحار محاولاً أخذ البلد كله معه إلى الموت.




احتياطات سوريّة


في الأسواق التجارية، يملأ العراقيون الثغر. تحافظ الأسعار على ثباتها. الكل يسأل عن أوضاع الليرة السورية. لولا إجراءات القيادة السورية الاقتصادية التي جعلت النظام ممثلاً ببعض الأشخاص شريكاً في كل نشاط اقتصادي دون استثناء لما صمدت غالبية المؤسسات وحافظت الليرة السورية وأسعار المواد الأولية على استقرارها، في ظل الأزمة الحالية الحادّة. المصادر القريبة من القيادة السورية تؤكد أخذ النظام بالتعاون مع حلفائه الإقليميين والدوليين الاحتياطات الضرورية للدفاع عن سوريا في وجه أي عمل عسكري محتمل. لكن كل التقارير الدبلوماسية والاستخبارية سواء تفيد بأن العمل العسكري غير وارد جدياً والخطط التي هي قيد التنفيذ تأمل إسقاط النظام خلال ثلاثة أشهر حداً أقصى عبر الضغط الاقتصادي أولاً، تكثيف العمليات العسكرية ثانياً وتعزيز العمل لحصول انشقاقات عسكرية وسياسية ودبلوماسية جدية ثالثاً.