لم تكن سيطرة الجماعات المسلحة على قيادة «اللواء 52» للجيش السوري بين الريف الغربي للسويداء والريف الشرقي الشمالي لمحافظة درعا، سوى آخر انتصارات مقاتلي المعارضة وتنظيم «القاعدة» في الجنوب، المدعومين من غرفة العمليات الأردنية «الموك».


وتوالت انتكاسات مسلحي «تنظيم القاعدة في بلاد الشام ــــ جبهة النصرة» و«حركة المثنى» و«حركة أحرار الشام» و«الجبهة الجنوبية» التابعة لـ«الجيش الحر» وفصائل كثيرة أخرى في مرحلة ما بعد «اللواء 52». وبدأ تراكم الهزائم مع فشل الهجوم على مطار الثعلة العسكري (14 كلم غرب مدينة السويداء) في أوائل حزيران الماضي، ثم فشل إسقاط بلدتي حضر وخان أرنبة في القنيطرة، ثمّ المحاولات البائسة المتكرّرة لاسقاط مدينة درعا، وآخرها هجوم الأيام الماضية تحت عنوان «عاصفة الجنوب».
فللمرة السابعة، لم يستطع مسلحو المعارضة تحقيق خرقٍ يذكر في أسوار الأحياء التي تقع تحت سيطرة الدولة من المدينة، كأحياء درعا المحطة وحي المنشية في درعا البلد.
علماً بأن الفصائل المرتبطة بـ«القاعدة» كـ«النصرة» و«المثنى» و«شباب أهل السنة» تشترك في المعركة التي انطلقت مطلع الأسبوع الماضي، على عكس هجوم «عاصفة الجنوب» أواخر تموز الماضي، حين امتنعت فصائل «الجبهة الجنوبية» عن التنسيق مع «النصرة» التي جرى استبعادها و«المثنى» من المعركة، تنفيذاً لرغبة «الموك» التي يديرها ضباط استخبارات سعوديون وأميركيون وأردنيون وإسرائيليون.
وعوضاً عن السيطرة على المدينة، ازدادت نقمة أهالي مدينة درعا على المسلحين، بعد آلاف قذائف الهاون والصواريخ التي أمطروا الأحياء الآمنة بها، وأدت لاستشهداء عشرات المدنيين في الأسابيع الماضية، ومنهم 10 أفراد من آل الفشتكي في حي الكاشف، في وقت خرجت فيه أكثر من تظاهرة في قرى الريف ومدينة صيدا، احتجاجاً على ممارسات المسلحين وانقطاع الماء والطحين والكهرباء لأكثر من 20 يوماً.


اشترطت «النصرة» الحصول على
75% من غنائم درعا


إلّا أن العودة للاستفادة من «خدمات» فصائل «القاعدة» لاسقاط مدينة درعا، جاءت نتيجة فشل المسلحين الذين تسوّقهم الإدارة الأميركية تحت خانة «المعتدلين» (ومن بينهم فصائل «الجبهة الجنوبية» التي يرأسها المنشقّ بشار الزعبي) عن تحقيق تقدّم في المدينة، على الرغم من أن «النصرة» المنغسمة في حرب ضروس مع «لواء شهداء اليرموك» المحسوب على «داعش» في منطقة وادي اليرموك (جنوب غرب درعا)، «اشترطت حصولها على 75% من غنائم مدينة درعا في حال سقوطها، ووافق الحرّ»، على ما يقول مصدر أمني معني بالجنوب السوري. ومساء أمس، انتهت مهلة الأسبوع التي «وافقت الاستخبارات الأردنية على منحها للمسلحين الخميس الماضي (13 آب) للسيطرة على درعا بعد ضغوط سعودية، من دون تحقيق أي تقدم يذكر»، كما تقول المصادر الأمنية. وبداية الأسبوع الماضي، زودت «الموك» المسلحين بـ«أسلحة جديدة للسيطرة على درعا قبل 13 آب، من بينها ثمانية دبابات ت 72 روسية معدّلة لمصلحة الجيش الأردني وعدد من رشاشات 23 مع سياراتها»، إضافة إلى 9 شاحنات طحين لتوزيعها على عائلات المسلحين، بعد القرار الأردني نهاية تموز بقطع طحين المساعدات عن الجنوب السوري ووقف إدخال الجرحى إلى مستشفيات الأردن.
إلّا أن الجيش، الذي نجحت تحصيناته وتعزيزاته في الأشهر الماضية في الصمود والتماسك أمام الهجمات وإيقاع المسلحين في الكمائن كما حصل في «تل زعتر» شمال غرب المدينة لجهة بلدة اليادودة، نفّذ عدّة ضربات جويّة على غرف «التحكّم والسيطرة» التي أعدّها المسلحون وتجمّعاتهم الرئيسية في الريف بناءً على معطيات دقيقة، محقّقاً «نتائج مهمّة» كما يقول المصدر. وبداية الأسبوع استهدفت الطائرات الحربية اجتماعاً لقادة المسلحين في بلدة النعيمة، أصيب على أثرها بشار الزعبي واُسعف على وجه السرعة إلى الأردن، وقائد «لواء الفرقان» أحمد النعيمي، فيما قتل قائد مجموعات الاقتحام في لواء «فلوجة حوران» أمين العبود، الملقّب بـ«اللحام»، مع 23 مسلحاً آخرين.
لا يخرج الهجوم الجديد على درعا عن سياق التصعيد الميداني ــــ السياسي الذي تدفع إليه الاستخبارات السعودية داخل غرفة «الموك»، بعد «الهدوء» الذي طبع جبهات درعا في تموز، بالتزامن مع بداية اللقاءات السورية ـــ السعودية. و«تسعى السعودية للحصول على مكاسب ميدانية في درعا تسمح باستثمارها سياسياً، فيما يعتقد البعض في النظام الأردني أن بإمكانهم حكم الجنوب السوري تحت مظلة منطقة عازلة تُفرض ميدانياً، بمعزلٍ عن القرارات الدولية»، بحسب سياسي سوري.
غير أن الحديث عن «انفصام شخصية» يعانيه النظام الأردني، يتردّد على لسان المسؤولين السوريين، حال تشخيص الأداء الأردني في العلاقة مع سوريا والجنوب السوري. «الأردن يتخبّط، ثم يخضع للإرادة الأميركية والسعودية»، يقول سياسي سوري. ويضيف: «كل فترة يرسلون رسائل مختلفة، مرة يريدون التعاون ومرات يساعدون المسلحين، لكن داخل النظام يرتعبون من تمدّد تنظيم داعش والفوضى في الجنوب السوري، وخصوصاً إذا سقطت درعا، لكن الدول الداعمة للإرهابيين تخسر فرصها في ظلّ صمود الجيش السوري وأهالي الجنوب».
وفي وقت يحاول فيه الأردن تأمين حدوده الشمالية والشرقية، ويرفع مستوى التعاون الأمني والعسكري مع إسرائيل بحجّة تهديد «داعش»، و«يسير بركب التصعيد السعودي»، تبدو «الأجندة الأميركية في مكانٍ آخر»، يقول المصدر الأمني. ويؤكّد أن «الأميركيين غير مستعجلين للحسم الميداني قبل تأمين البديل، وحتى الآن لم يتمكّنوا من صياغة البديل عن الدولة، ولن يتمكنوّا».

300 جنوبي لـ«الإدارات المحلية»!

يلفت أكثر من مصدر أمني وسياسي معني، إلى أن زيارة الجنرال مارتن ديمبسي إلى فلسطين المحتلة حملت إشارات إلى الدول المعادية لسوريا بضرورة استمرار إدارة الفوضى الحالية بما يسمح باستمرار استنزاف الجيش والمقاومة اللبنانية، من دون الفوضى الكاملة في الجنوب لغياب البدائل، مع «سعي الأميركي لإعداد هيكليات مدنية وعسكرية تكون نواة إدارات محلية في الجنوب مستقبلاً». وتشير المعلومات إلى أن الأميركيين «يدرّبون منذ أشهر أكثر من 300 سوري من الجنوب داخل الأردن، من حملة الشهادات الجامعية، على آليات إدارة المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة على شكل إدارات محلية، على غرار العراقيين الذين دربهم الأميركيون في السنوات الماضية».