تونس | بعدما توحّد التونسيون بمختلف أهوائهم الإيديولوجية وراء هدف إطاحة نظام الرئيس زين العابدين بن علي، عادوا وانقسموا إلى قسمين بمجرد انفتاح أبواب السلطة على مصراعيها؛ نخبة مثقفة مؤمنة بالعلمانية كأسلوب للحكم ينأى بالإسلام عن براثن الصراع السياسي من جهة، وقطاع واسع من الشعب حُرموا «طمأنينة واستقراراً» كان يوفرهما لهم الحزب الحاكم السابق ليجدوا ضالتهم في حزب تمكّن من إعادة تلك الطمأنينة مرّة أخرى، عبر حسن توظيف الدين في الجهة المقابلة.


منذ أشهر، تعيش تونس احتداماً في الخلاف بين التوجهين المتناقضين، تارة تدور رحاه في وسائل الإعلام، وطوراً ينتقل مجال التعبير عنه إلى الشوارع والميادين العامة. منع الطالبات المنقبات من دخول كلية الآداب في محافظة منوبة بحجّة العجز عن التعرّف إلى الهويات، أجّج من جديد الجدل حول قضية الهوية ومسألة علاقة الدولة بالدين، لكن مع توافر معطى سياسي جديد يتمثل في أن النظام هذه المرة بيد الإسلاميين.
لقد أطلق الاعتصام، الذي تنفّذه مجموعة من السلفيين بكلية الآداب بمنوبة، صفارة الفزع من جديد بخصوص التمدّد السريع لفكر الإسلام المتطرّف، وانتقاله من مرحلة العمل الدعوي إلى طور الفعل الميداني والضغط الاجتماعي. وانتقل صخب قضية النقاب إلى قبّة المجلس التأسيسي، حيث يناقش النواب القوانين التي ستسيّر أمور البلاد إلى حدود إصدار دستور جديد.
هذا التوجس من تعاظم دور الإسلاميين، دفع الآلاف من التونسيين الى التظاهر طيلة الأسبوع الماضي أمام مقرّ المجلس التأسيسي للمطالبة بدولة مدنية، قبل أن يقرّروا تنفيذ اعتصام مفتوح لذلك الغرض. لتضاف اليهم، بعد ذلك، دفعات جديدة من الغاضبين سرعان ما بلوروا مطالبهم في «ضرورة الفصل بين السلطات الثلاث، وإدراج مجلة الأحوال الشخصية ضمن القوانين الأساسية، والتنصيص على حق الشغل والعدالة الاجتماعية في الدستور، والبث المباشر لمداولات المجلس التأسيسي، وعرض الدستور على الاستفتاء الشعبي، والحفاظ على الحريات العامة والفردية، ومحاسبة رموز الفساد وقتلة الشهداء».
وفي إحدى الخيم المنصوبة، تجمع عدد من النساء من مختلف الأعمار، وقالت إحداهن «أنا لست هنا للطعن في شرعية المجلس التأسيسي، وانما كي أمارس الضغط عليه حتى لا يحيد عن أهدافه، وللتعبير عن انشغالنا بالانتهاكات التي يقوم بها السلفيون منذ مدّة ضدّ الحريات الفردية للتونسيين». فمنذ الثورة، تزايد نفوذ التيار السلفي في تونس، وأصبح أحد أبرز أركانه، وهو حزب «التحرير» المتطرف، ينظم العديد من الأنشطة العلنية التي يدعو فيها إلى تكريس الخلافة الإسلامية، وإلى محاربة «الكفر والزندقة». وكوّن مجموعة من التونسيين ما سموه «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، التي بدأت أول نشاطاتها بخلع أستاذة جامعية جرى تعيينها كمتصرفة قضائية على إذاعة دينية خاصة.
وفي مكان منزوٍ، نصب عدد من العاطلين من العمل خيمتهم المهترئة، وبدا على ملامح وجوههم الإعياء والوهن بعد عناء أيام طويلة من الاعتصام أمام مقرّ شركة فوسفات قفصة بوسط العاصمة تونس. يقول أحدهم «نحن هنا للاعتصام بهدف المطالبة بحقنا في الشغل. الإسلاميون يريدون صرف اهتمامنا عن الأهداف الأساسية للثورة، المتمثلة في الحق في الشغل عبر اختلاق قضايا دينية ثانوية». وكانت منطقة قفصة، التي تبعد500 كيلومتر جنوباً عن العاصمة تونس، قد عرفت في الأسابيع الماضية موجة من الاحتجاجات على خلفية الإعلان عن نتائج توظيف عمال جدد في شركة الفوسفات، التي تُعدّ المُشغل الرئيسي لسكان المنطقة. وتحوم العديد من الشكوك حول طريقة هذا التوظيف، حيث يرى المحتجون أن عملية التشغيل التي تحدث مرة في كل عام تجري وفق معايير المحسوبية والرشوة.
ويبدو أن الحكومة وعت متأخرة خطورة الأحداث بقفصة، التي بلغت أطوارها إلى حدّ تدمير كل المنشآت العمومية، فأعلنت أنها ستقبل مطلب الاعتراض من طرف الذين رُفض تشغيلهم، وأنها ستعمل على إيجاد صيغة للتوافق بين حاجات شركة الفوسفات والمطالب الاجتماعية للعاطلين من العمل.
لكن مع هذا، رفض المعتصمون أمام المجلس التأسيسي فك اعتصامهم إلى أن تُقرّ مسألة إيجاد فرص شغل لهم، وهم الذين يعانون البطالة منذ سنوات طويلة. ما جلب لهم موجة تعاطف هامة من قبل التونسيين، من بينهم عدد من الأحزاب اليسارية، التي أوفدت شبابها للمكوث في مقر الاعتصام لإسنادهم معنوياً، وخاصة للوقوف معهم ضدّ بعض الأعمال العدوانية التي بات يتعرّض لها المعتصمون.
فعشية يوم الخميس الماضي، اعتدت مجموعة من الأشخاص على المعتصمين الموجودين أمام المجلس التأسيسي، واقتلعوا حينها إحدى الخيم بالعنف، قبل أن يفرّوا بعد تدخل أفراد من الشرطة. «بروفة» أولى خفيفة، قبل أن يقرّر أنصار حركة «النهضة» تنظيم تظاهرة يوم السبت أمام مقرّ الاعتصام للمطالبة بفض الاعتصام، مع أنّ الحركة دعت الى عدم التظاهر. وسرعان ما تحولت هذه التظاهرة إلى اشتباك.
المعتصمون المستاؤون من عنف البلطجية، الذي ذكّرهم بالأسلوب الذي اعتمده الحزب الحاكم السابق ضدّ المعارضين، تشبثوا بمواصلة اعتصامهم، مصدرين بياناً مؤكّدين فيه أنّ «اعتصام باردو هو تواصل للتحرك الشعبي الذي يمثل الضامن الوحيد للحفاظ على صيرورة الثورة»، محذرين من «خطر ولادة دكتاتورية جديدة باسم الديموقراطية والإرادة الشعبية التي عكستها نتائج الانتخابات».
في هذه الأثناء، دعت العديد من الجمعيات غير الحكومية إلى تظاهرة اليوم تزامناً مع انعقاد الجلسة العامة للمجلس التأسيسي، التي ستنظر في مشروع الدستور المؤقت.




أنصار «النهضة» vs معتصمي العدالة الاجتماعية


قرّر أنصار حركة «النهضة» تنظيم تظاهرة يوم السبت الماضي أمام مقرّ المعتصمين قبالة المجلس التأسيسي للمطالبة بفض الاعتصام، مردّدين شعارات من قبيل «الشعب مسلم ولا يستسلم» و«احترموا إرادة الشعب ولا تتكلموا بلسانه. الشعب اختار، الإسلام هو الحل».
ورغم إصدار «النهضة» بياناً عشية يوم التظاهرة دعت فيه أتباعها إلى عدم التظاهر بغية الحفاظ على الهدوء، فإن المئات من المتعاطفين معها نزلوا إلى الشارع رافعين أعلام الحركة، ومطالبين بمنح الحكومة، المنتظر تأليفها خلال أيام، فرصة للعمل قبل الحكم عليها. إلا أنّ الملاحظ أن التظاهرة ضمت العديد من الأطفال والمراهقين، الذين ردّدوا شعارات مستفزة للمعتصمين، قبل أن تتحول المناوشات اللفظية إلى عنف عندما عمدوا الى رشق المعتصمين بالحجارة والقوارير، لتتدخل على الأثر قوات الأمن الفاصلة بين الطرفين، وتفرّق المعتدين. وتوضح المتحدثة باسم المشاركين في التجمع، ايناس بن عثمان، أن «الإسلاميين هاجمونا ورشقونا بالحجارة، الشرطة اطلقت الغاز المسيل للدموع». وتؤكد أن «التجمع مستمر، نحن باقون. الا أن المهاجمين يستفزوننا، لا يزالون في المنطقة، وينتظروننا في كل ناحية من الشارع».