عناوين عديدة يتم تداولها هذه الأيام، تبدو مؤشراً إلى احتمال حصول تغيير نوعي في المشهد الإقليمي يُرجح أن ينعكس تهدئة في أكثر من بؤرة توتر. لعل الحدثين الأكثر دلالة، زيارة وزير الاستخبارات الإيراني حيدر مصلحي إلى السعودية حيث التقى ولي العهد الأمير نايف، ورئيس الاستخبارات الأمير مقرن، وتصريحات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في مؤتمره الصحافي مع الرئيس الأميركي باراك اوباما في ظل المبادرة العراقية المتوقعة لحل الأزمة السورية. المعلومات الواردة من عواصم الاقليم تتحدث عن حال من «الارتباك» في السعودية و»الشعور بالضعف» جراء مجموعة من المعطيات، تبدأ إقليمياً بما يحصل في العراق من انسحاب أميركي ومواقف عراقية نجحت في احباط المطالب الأميركية الخاصة بالمرحلة المقبلة، وعلى وجه الخصوص حيال سوريا، حيث بات معلوماً لدى جميع المعنيين أن الروس «أقاموا هيئة أركان كاملة، بكل تجهيزاتها وأذرعها العسكرية والأمنية لمقاومة أي ضربة عسكرية».


ولا تنتهي بمعلومات عن رسالة بعث الرئيس الصيني هو جيناو إلى أوباما أكد له فيها أن «الصين لن تكتفي بالشجب والإدانة ولن تقف مكتوفة الأيدي في حال تورطتم في أي مغامرة عسكرية ضد دمشق أو طهران». وفهم ان دمشق كما طهران حصلتا على نسخة من هذه الرسالة. ناهيك عن فضيحة الـ»سي اي ايه» الممتدة من بيروت إلى طهران، وفضيحة «أسر» طائرة التجسس الأميركية في الأجواء الإيرانية، وعن سقوط لبنان بأيدي الأكثرية المنتمية عضوياً إلى محور المقاومة.
تضيف المعلومات نفسها أن «العوامل الأكثر إقلاقاً للسعودية هي التي تعنيها مباشرة، من وضع داخلي يتهدد بانفجار في المناطق الشرقية التي يمكن أن تتحول إلى بحرين ثانية، ومعارضة في البحرين تصعّد كلما ازداد الضغط عليها، وزحف للاسلام السياسي من مصر إلى المغرب فاليمن وسوريا يصب في الجيب القطري والتركي. كان للسعوديين أقلية سلفية يراهنون عليها في مصر لكن نتائجها جاءت مخيبة في الانتخابات الأخيرة. هناك أيضاً احساس بأن واشنطن همّشت الثقل التاريخي للسعودية لصالح قطر».
مصادر دبلوماسية عربية تلفت إلى أن السعودية عملت جاهداً على ألا تتصدر المشهد مذ بدء الثورات العربية، «باستثناء يوم خرج الملك عبد الله بتصريحه الاستثنائي حيال سوريا». البعض يقول إنها أرغمت على هذا الانكفاء بفعل التهميش القطري التركي الفرنسي لها، فيما يقول البعض الآخر أنها أعطت الفرصة لترى إلى أين سيصل هذا الحراك، من دون أن تتحمل وزره، مع توقعات بفشله ومخاوف أن يؤثر سلباً عليها، ولما وصل إلى حائط مسدود بادرت إلى التحرك.
وتشير مصادر ايرانية الى إن التحرك السعودي بدأ قبل أسابيع بزيارة قام بها احد رجال الاعمال العراقيين البارزين بزيارة الى ايران. ليتبين ان الرجل الذي يعرف بانه «وكيل السعودية في بغداد» كان يستهدف «جس نبض الايرانيين عموما» ثم وردت رسالة سعودية إلى المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني تطلب ايضاحات حول الاتهامات الأميركية للجمهورية الإسلامية بالاعداد لاغتيال السفير السعودي لدى واشنطن عادل الجبير. وعرضت الرسالة للوضع المتوتر في المنطقة المقبلة نحو المجهول مرفقاً بطلب للمساعدة في تهدئة الأمور لاستبيان الوضع وفهم ما يحصل لأن الجميع يخسر في الوقت الراهن.
وتضيف المصادر أن «الإيرانيين ناقشوا الموضوع وقرروا أن أفضل شخصية يمكن أن تقوم بهذه المهمة هو مصلحي لكونه قريب جدا من المرشد الاعلى للجمهوري السيد على الحامنئي، ومن بقية اركان الحكم في ايران، ما يعني أنه قادر ليس على مناقشة الأمور الاستخبارية فحسب، وإنما أوضاع المنطقة ككل».
وبينما ينتظر الجميع نتائج هذه الزيارة، فان المصادر الايرانية تتحدث عن طلب سعودي مساعدة ايرانية لاجل «تحقيق التهدئة في القطيف والبحرين واليمن». وهو في اطار ما يشبه المقايضة التي تقول المصادر ان السعودية ستعمد وفقها الى الابتعاد عن المحور القطري التركي الفرنسي ووقف التحريض في سوريا. لكن المعلومات تؤكد وجود قاسم مشتركة للجانبين مصلحة فيه ألا وهو «تهدئة اللعب» في الوقت الراهن، في خطوة يُرجح أن تصب في صالح المبادرة العراقي لحل الأزمة السورية.
المبادرة العراقية
وفي سياق متصل، كشفت مصادر عراقية موثوقة أن رئيس الحكومة نوري المالكي، المنتظر عودته قريبا من واشنطن، يستعد لارسال وفد «من رئاسة الحكومة إلى دمشق في زيارة ستبقى بعيدة عن الاعلام، بهدف التفاهم مع الحكم هناك على محاور المبادرة التي سيطرحها العراق. وانه في حال حصول تفاهم على هذه المبادرة، سوف يرسل المالكي وزير خارجيته هوشيار زيباري في زياة علنية الى سوريا للاعلان عن المبادرة».
وحسب المصادر فأن المبادرة العراقية «تقوم على خمس خطوات متسلسلة زمنياً، تبدأ بقرار من جامعة الدول العربية بتجميد العقوبات التي فرضتها على سوريا يليها سحب السوريين للوجوه الأمنية، بمعنى الحل الأمني، من الواجهة. بعد ذلك، تعيد دمشق فتح باب الحوار الداخلي، يليه حوار سوري عربي برعاية عراقية، على أن تختتم هذه المراحل بحوار سوري داخلي شامل برعاية عربية».
وتؤكد المصادر نفسها أن هذه المبادرة تحظى بدعم من إيران، مشيرة إلى أن زيارة مصلحي إلى السعودية تأتي في هذا الإطار. وتتابع أن رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني التقى في طهران أمس برئيس المجلس الأعلى الإسلامي السيد عمّار الحكيم وأكد له الدعم الإيراني للمبادرة العراقية.
وفي المناسبة، يؤدي المجلس الأعلى دوراً بالغ الأهمية في سياق الأزمة السورية. وقد تبلّغ أخيرا، ومعه أكثر من طرف عراقي، من السفير الأميركي لدى بغداد جيمس جيفري أن الإدارة الأميركية بدأت تتكيف مع عجزها على اسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، وهي قررت أن تعمد في المرحلة المقبلة على «احتوائه». وكانت رسالة مشابهة وصلت إلى المسؤولين السوريين مصدرها السفارة الأميركية في دمشق. وتتحدث أوساط عراقية قريبة من السفارة الأميركية عن قلق واشنطن من كثافة انتشار تنظيم «القاعدة» في سوريا.
وترى المصادر سالفة الذكر في «الموقف الصلب والجريء الذي اتخذه المالكي برفضه دعوة الأسد إلى التنحي، واعتراف أوباما بخلافات مع بغداد، حتى ولو وصفها بأنها تكتيكية، أبرز مؤشر إلى انفكاك العراق عن الفلك الأميركي وانضمامه إلى محور الممانعة».
إلى ذلك، زار دمشق أمس وفد إيراني اقتصادي، ناقلاً قرار القيادة الإيرانية استثمار أربعة مليارات دولار في بناء وحدات سكنية في سوريا، وشراء نصف الإنتاج الزراعي السوري.