على متن طائرة إماراتية خاصّة ومستأجَرة، توجّه رئيس مجلس الوزراء العراقي نوري المالكي والوفد المرافق له، تاركاً طائرته الرئاسية وطاقمها الإيراني خلفه في بغداد. الصحافة البغدادية لم تتطرق إلى السبب المباشر لهذا التفصيل، ولكنّ مصادر دبلوماسية أجنبية سرَّبت أن السلطات الأميركية قد تكون طلبت من المالكي عدم القدوم على متن الطائرة الإيرانية «لأسباب أمنية».


الزيارة تدوم، بحسب بعض المصادر، يومين، وبحسب أخرى أربعة أيام، أما جدول أعمالها فحافل، بعيداً عن العناوين الإعلامية العراقية والسورية التي تحدّث عنها المالكي ومضيفه الرئيس باراك أوباما أول من أمس في مؤتمرهما الصحافي؛ أولاً هناك قضية الحصانة القضائية للآلاف من قوات الاحتلال ممن سيبقون في العراق بصفة مدرِّبين وخبراء، وهي مسألة لم تُحسم بعد، مع أنّ التوجه كان يميل نحو إلحاق تلك القوات بمعسكرات حلف شمالي الأطلسي التي تتمتع بالحصانة القضائية في العراق، ولكن هذا الإجراء لم يعد ممكناً بعدما أعلن الأمين العام لحلف شمالي الأطلسي، أندرس فوغ راسموسن، أول من أمس، انتهاء المهمات التدريبية لقوات حلفه في العراق، بعدما «لم يتسنَّ الاتفاق على تمديد هذا البرنامج الناجح رغم المفاوضات الشاقة التي أجريت على مدى عدة أسابيع»، بحسب تعبير فوغ راسموسن نفسه.
عدد العسكريين الأميركيين الذين سيبقون في العراق كان موضوعاً للتجاذب والتصعيد أخيراً؛ فقد أعلن الناطق الرسمي باسم سفارة الاحتلال في بغداد أنّ عدد الموظفين فيها حالياً يبلغ 15 ألفاً قابلاً للزيادة. أمرٌ أثار ردود فعل قوية رافضة من قبل الأفرقاء السياسيين، يتقدمهم رئيس مجلس النواب أسامة النجيفي. حتى إن قوى وشخصيات سياسية مختلفة لم تتردَّد في اعتبار هذا الوجود احتلالاً «مبرقعاً بالدبلوماسية». ملف آخر مشابه شهد تصعيداً يتعلق بملف عقود استئجار عسكريين أميركيين لحماية الأجواء العراقية ومراقبتها. وكانت بغداد قد قدَّرت أنها ستكون بحاجة إلى 800 عسكري متخصّص في هذا المجال، ولكنّ نائب الرئيس الأميركي جو بايدن رفع هذا العدد إلى 1800 عسكري حائز الحصانة القضائية، معطياً الانطباع بأنه يعرف الدار وما فيها أكثر من أهلها. وقد جرى الاتفاق معه على أنّ طلبه هذا سيُدرَس لاحقاً، ثم يُصار إلى تقديم موقف نهائي منه في زيارة المالكي لواشنطن. أكثر ردود الفعل حِدَّة وطرافة جاءت من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي وصف عملية استئجار خبراء عسكريين أميركيين لحماية سماء العراق بـ«الكلاوات»، والكلمة تعني حيلاً للخداع، خاتماً بعبارة لا تخلو من الدلالات والغمز من قناة أصدقاء أميركا العراقيين، قائلاً «قبَّحَ الله السياسة الدنيوية المنحطّة، وقبّح الله كل من يطلب حماية الأميركان».
هناك أيضاً ملف تسليح الجيش العراقي شبه الأعزل والأقرب إلى الميليشيات، والتلكّؤ الأميركي المقصود للحؤول دون تجهيزه، والذي سبّب جعل العراق «منطقة ساقطة عسكرياً»، ومجرَّداً من أيّ دفاعات جوية وبحرية وإلى حد ما أرضية، مع انسحاب آخر قوات الاحتلال. مقرَّبون من إدارة الملف الدفاعي العراقي سرَّبوا أنّ المالكي سيحاول تحريك صفقة تتضمن شراء عشرات الطائرات من طراز «أف 16» الأميركية. صفقة أصبحت موضع أخذ ورد بين الطرفين منذ سنتين، ولم تثمر شيئاً بعد. ويرى محللون ومراقبون للشأن العراقي أنّ نجاح المالكي في التوصل مع الجانب الأميركي إلى حلول ملموسة في هذه الملفات العسكرية والتسليحية، سيكون له مردود فعّال على أداء حكومته عموماً، وعلى استقرار العراق أمنياً بشكل عام، أما فشله في ذلك، وهو ما يتمنّاه ويعمل من أجله خصومه السياسيون، وتركه لسماء العراق وحدوده البرية مباحة ومكشوفة، فإن انعكاساته على الأرض ستكون دراماتيكية وغير متوقَّعة.
ملف آخر لا يقلُّ أهمية وصعوبة عن ملف «ترقيع» السماء والمجال الجوي العراقي بالرادارات والطائرات ينتظر المالكي في واشنطن، ألا وهو تخليص العراق من أحكام الباب السابع لميثاق الأمم المتحدة. هذا الفصل، باعتراف الجميع، يفرّغ أي مزاعم للسيادة والاستقلال من أي مضمون، ويستنزف المزيد من ثروات العراق التي تدفع كتعويضات عن حروب صدام حسين. لقد أفلحت الإدارة الأميركية، كما يرى محللون متخصصون أجانب بعضهم أميركيون، في استغلال هذا الملف لابتزاز العراق بواسطته ابتزازاً لاأخلاقياً ويبدو بلا نهاية. ورغم بيانات مشجعة صدرت قبل فترة قصيرة من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لاحظت تقدماً في تنفيذ العراق لالتزاماته نحو الكويت تحديداً، في ما يخصّ ملف المفقودين خلال حرب الخليج الثانية، فإن قلَّةً فقط من المسؤولين والمراقبين العراقيين يعتقدون باحتمال أن تعتق الولايات المتحدة رقبة العراق من أحكام الفصل السابع وعقوباته. من التقديرات والاحتمالات التي ناقشها مراقبون للشأن العراقي لدى قراءتهم لتفاصيل زيارة المالكي، واحد يتعلق بوجود وزير النقل المناوئ بشدة لمشروع ميناء مبارك الكويتي، هادي العامري، بين صفوف الوفد. فقد قدّر البعض أن وجود الوزير العامري قد يشير إلى أن ملف الميناء الكويتي كان حاضراً على طاولة المباحثات في واشنطن، ولا سيَّما أنّ وزير الخارجية المؤيِّد للمشروع، هوشيار الزيباري، موجود أيضاً. ولكنّ مراقبين آخرين استبعدوا هذا الأمر، وذهب بعضهم إلى اعتبار أن وجود العامري يمثل الحضور الإيراني في العراق، خصوصاً بعد انشقاق «منظمة بدر» التي يتزعمها عن صفوف حزب «المجلس الإسلامي الأعلى» بقيادة عمار الحكيم. فريق ثالث ذهب إلى أنّ وجوده قد يتعلق بمناقشة ملف مساهمة الولايات المتحدة في تنفيذ مشروع الميناء العراقي المضاد، أي ميناء «الفاو الكبير» الذي يحاول العراقيون بواسطته فكّ الحصار البحري عن العراق وقطعه تماماً عن أي نافذة بحرية.




أين العرب السنّة؟


ولّدت تركيبة الوفد الذي رافق نوري المالكي إلى واشنطن خيبة أمل لدى بعض الساسة العراقيين، لأنه خلا تقريباً من أي زعيم مهم من مكوِّن العرب السنّة. ولولا وجود وزير الدفاع بالوكالة سعدون الدليمي، الذي هو قيادي في تحالف المالكي «دولة القانون» أيضاً، لكان الوفد حكراً على مكوِّنين اثنين فقط هما العرب الشيعة والأكراد. شخصيات معروفة بمناوأتها للمحاصصة الطائفية قالت إن الأمر يستحق الوقوف عنده، لأنه خرج عن إطار الأخطاء السياسية المألوفة ليقع في خانة التهميش والإقصاء لمكوِّن مهم من مكوّنات المجتمع، أي العرب السنّة. وقد أعرب أحد المحللين عن اعتقاده بأن المالكي، بهذا الوفد، يكون قد استحق النقد الذي كان يوجّهه هو ومستشاروه إلى بعض الزعماء السياسيين من العرب السنّة أو الأكراد لكونهم لا يراعون حضور المكوّنات العراقية الرئيسية الأخرى في وفودهم؛ فنائب الرئيس طارق الهاشمي، مثلاً، كان يحرص على عدم إشراك أي شخص من غير العرب السنّة في زياراته للخارج. وقد قيل كلام كهذا عن رئيس البرلمان أسامة النجيفي أيضاً، لكونه يصطحب معه في زياراته إخوانه وأقاربه.