تونس | في مشهد قلما يحدث في المنطقة العربية، تسلم الرئيس الجديد لتونس المنصف المرزوقي مفاتيح القصر الجمهوري من الرئيس المؤقت فؤاد المبزع. ولثاني مرة في تاريخ تونس المعاصر بعد يوم 8 تشرين الثاني 1959 عندما انتخب المجلس التأسيسي الحبيب بورقيبة رئيساً للبلاد بعد إطاحة النظام الملكي، يلج قصر قرطاج الرئاسي رئيس لديه مقدار من المشروعية الانتخابية.


فبعد انتخاب أعضاء المجلس الوطني التأسيسي بالأغلبية للمنصف المرزوقي رئيساً للدولة مثلما اقتضاه القانون التأسيسي المنظم للسلطات أو ما يسمى «الدستور الصغير»، بدأت ملامح السلطة السياسية التي ستدير شؤون البلاد للفترة الانتقالية المقبلة تتضح. المرزوقي، الذي سبق أن ترشح سنة 1994 لمنافسة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ما أدى لاحقاً إلى سجنه، يجد نفسه بفضل ثورة 14 كانون الثاني على نفس المقعد الذي كان يحكم فوقه بن علي بقبضة من حديد.
وسيتولى المرزوقي بمقتضى الدستور المؤقت تعيين رئيس الحكومة ومفتي الجمهورية فضلاً عن التعيينات والإعفاءات في الوظائف العسكرية العليا وفي الوظائف السامية في وزارة الخارجية وفي البعثات الدبلوماسية والقنصلية الوطنية لدى الدول والمنظمات الإقليمية والدولية باقتراح من رئيس الحكومة في الحالتين. كذلك يمثل الرئيس الجديد تونس في الخارج ويتولى رسم السياسة الخارجية للدولة بالتشاور والتوافق مع رئيس الحكومة وختم ونشر القوانين التي يصدرها المجلس التأسيسي. وسيؤمن القيادة العليا للقوات المسلحة وإشهار الحرب وإعلان السلم بعد موافقة ثلثى أعضاء المجلس الوطني.
ورغم تشكيك أحزاب المعارضة في قدرة المرزوقي على التأثير السياسي جراء الصلاحيات المحدودة التي يتمتع بها بمقتضى ذلك القانون، فإن تواجد شخصية علمانية من شأنها أن تصد محاولات النهضة للاستئثار بكامل الحكم، وزرع كيانها في داخل منظومتها. ورغم أن الوزن الضعيف من حيث العدد الذي يحظى به حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي كان يتزعمه المرزوقي قبل أن يستقيل منه بحكم منصبه الجديد، فإن الضغوط الأميركية والأوروبية جعلت من النهضة مجبرة على التحالف على أطراف علمانية تمنحها مناصب سيادية مهمة مثلما حصل كذلك مع حزب التكتل الديموقراطي من أجل العمل والحريات التي انتخب قائده مصطفى بن جعفر رئيساً للمجلس التأسيسي.
وتزامناً مع أداء قسمه، استعجل المرزوقي بداية نشاطه الرئاسي، حيث دعا رؤساء الأحزاب إلى التشاور في ما يخص تشكيل حكومة جديدة، موضحاً أنه سيكلف اليوم الأربعاء حمادي الجبالي عضو المجلس الوطني التأسيسي والأمين العام لحركة النهضة بمنصب رئاسة الحكومة.
وكشفت تسريب أسماء لتركيبة الحكومة المقبلة عن استحواذ حركة النهضة على وزارات الداخلية والخارجية والعدل والتعليم العالي والهجرة. وتوزعت بقية الحقائب التقنية والفنية على ممثلين لشركاء النهضة في تحالف «الترويكا» المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديموقراطي، فيما ستغيب عن الحكومة وجوه تنتمي إلى أحزاب أخرى أو شخصيات مستقلة. وتواجه الحكومة المرتقبة العديد من المشاكل العاجلة وأهمها الاعتصام الذي ينفذه المئات من التونسيين أمام مقر المجلس التأسيسي الذين تختلف مطالبهم بين الذين يحتجون على «أسلمة الدولة» وانتشار التطرف الديني، وبين الذين يبحثون عن موطن شغل أو مسكن. وكان المعتصمون قد أصدروا بياناً بمناسبة الانتخاب اعتبروا فيه أن «فريق الأغلبية يتمادى داخل المجلس، في خياطة نموذج سلط على مقاسه، في سعي محموم إلى إعادة إنتاج منظومة حكم غير ديموقراطي».