القاهرة | تعقيدات البرلمان المصري المقبل ليست مرتبطة بالصلاحيات والقوانين التي يجب أن يقرها ويراجعها فحسب (راجع عدد أمس)، ولكنها مرتبطة أيضاً بسيناريوات الحصول على الأغلبية البرلمانية التي ستتمكن من إمرار القوانين والتشريعات، خاصة في ظل غموض التيار الذي يمكنه حصدها بحسم حتى الآن، وسط توقعات بنسب متفاوتة لعدد من القوى السياسية.


والمؤكد أن البرلمان المقبل لن يصطدم مع الرئيس كثيراً، ليس فقط لتصدير الإعلام عبد الفتاح السيسي باعتباره «منقذ مصر الأوحد»، ولكن لحالة التوافق العامة بين القوى المختلفة وقرارات الرئيس. حتى إن حزب «النور»، صاحب المرجعية السلفية، يظهر دعماً وتأييداً للسيسي ويقدم تنازلات عدة من أجل البقاء في الحياة السياسية برغم اعتراضات الأحزاب الليبرالية التي ترى في «النور» تهديداً للحياة السياسية.
ولم تضمن استطلاعات الرأي المختلفة لأي حزب أو تحالف انتخابي احتمالية الفوز بالأغلبية البرلمانية بعد، وهو أمر يفسر المخاوف الحكومية التي أدت إلى تعطيل الانتخابات نحو عامين، لإعطاء فرصة للأحزاب من أجل تأهيل نفسها سياسياً والتواصل مع المواطنين. مدة أخفقت خلالها جميع الأحزاب، باستثناء «النور»، الذي تحرك ميدانياً بقوة ونجح في توضيح صورته أمام الرأي العام وخاصة تأكيد أنه ليس بديلاً من جماعة «الإخوان المسلمين»، كما اتهم سابقاً.


ما تخشاه الدولة
حصول «النور» على الأغلبية
أو أكثر من 25%

ثمة سيناريوات بشأن تشكيل البرلمان مرتبطة بحجم دعم رجال الأعمال والسياسيين للقوى التي ستتنافس في ما بينها، ولكن المؤكد أن سيناريو فوز الأحزاب المعارضة للرئيس، مثل «الدستور» الذي أسسه محمد البرادعي، و«التحالف الشعبي الديموقراطي»، و«التيار الشعبي» ــ حمدين صباحي، بالأغلبية، أمر مستبعد، وذلك بسبب تعثرها مالياً وضيق انتشارها خارج نطاق القاهرة الكبرى، أو إعلامياً.
لكن المؤكد، أيضاً، أن هذا السيناريو المستبعد هو الأفضل بالنسبة إلى الحياة السياسية المصرية، فالرئيس لديه أفكار وتوجهات، والأغلبية سيكون لديها أفكار وتوجهات أخرى، ما يجعل الطرفين مضطرين إلى صيغة توافقية، خاصة أن الأغلبية هي التي ستشكل الحكومة وفقاً لنصوص الدستور، بل إن اختيار الوزراء ورئيس الحكومة من مسؤوليتها، بتكليف من السيسي نفسه.
أما السيناريو الذي تخشاه الدولة، فهو حصول «النور» على الأغلبية أو أكثر من 25% من المقاعد، وهي النسبة التي قد تجعل للحزب وجوداً في تشكيل الحكومة للمرة الأولى، بالإضافة إلى قوة نفوذه في الدولة وتغلغل قياداته في المناصب التنفيذية. سيناريو لا يتحمس له كثيرون خوفاً من تكرار تجربة «الإخوان» في «خلط الدين بالسياسة» والمشكلات التي حدثت خلال سنة حكمهم. والأسوأ في هذا السيناريو أيضاً حصول الحزب السلفي على الأغلبية البرلمانية بما يمكنه من تشكيل الحكومة منفرداً.
وترتبط مخاوف حصول «النور» على نسبة لا يستهان بها بالوجود القوي للحزب في الشارع، بل إن تواصله مع المواطنين باستمرار غير مرتبط بالانتخابات، فضلاً عن حرصه على التفاعل بقوة مع مشكلات المواطنين خلال الشهور الماضية. وظهر في سلوك أنصاره سياسات «الإخوان» كتوزيع السلع وتوفير الخدمات للمواطنين، خاصة في المناطق الفقيرة.
السيناريو الثالث، وهو الأقرب والأكثر راحة بالنسبة إلى النظام، يتضمن أن تحصل القوى السياسية التي تطلق على نفسها «التيار المدني»، مثل أحزاب «الوفد ــ السيد البدوي»، و«الحركة الوطنية ــ الفريق أحمد شفيق»، و«تيار الاستقلال ــ أحمد الفضالي»، بجانب بعض الشخصيات العامة، على الأغلبية البرلمانية»، وذلك عبر تحالف انتخابي أو اثنين. والمرجو هنا أن يحدث التوافق بين هذه التيارات داخل البرلمان، علماً بأن هذه الأحزاب، وإن كان من السهل تكوين تحالف بينها بعد الانتخابات، فإن من الصعب إتمام التحالف قبلها، بسبب كثرة المرشحين المتنافسين على المقاعد نفسها داخل الدوائر الانتخابية.
عموماً، إن التحالف بعد انتخاب البرلمان سيكون أسهل بكثير بالنسبة إلى التيارات المدنية، خاصة مع وحدة الأهداف والرؤى بغض النظر عن الأشخاص الذين سينفذون سياسات السيسي والمؤسسة العسكرية دون نقاشات كثيرة قد تعرقل صدور القرارات المهمة، استناداً إلى الصلاحيات الواسعة التي حصل عليها البرلمان بموجب الدستور.
وبرغم تفضيل النظام السيناريو الأخير، ودعمه بدعوة الرئيس الأحزاب إلى الاستقرار على قوائم انتخابية موحدة للحصول على 120 مقعداً (من طريق الفوز بالتزكية) ومنع تنافس الأحزاب عليها، فإن شبح عودة شفيق هو الجانب الأكثر قلقاً، وذلك بسبب سعي حزب الأخير إلى تشكيل الحكومة عبر أغلبية تمكنه من ذلك، حتى لو بفارق ضئيل.
عملياً، تبدو فرص شفيق جيدة، ليس بسبب الدعم المال السخي الذي يمتلكه حزبه وانضمام قيادات من «الحزب الوطني» المحلول إليه ولا سيما في محافظة الصعيد، لكن الأمر مرتبط بالصورة الإيجابية التي لا يزال يحتفظ بها كثيرون عن آخر رئيس وزراء في عهد حسني مبارك ووصيف الرئيس في أول انتخابات رئاسية بعد ثورة 25 يناير.
ولا يخفى أن سيناريو شفيق يقلق نظام السيسي برغم انتمائهما إلى المؤسسة العسكرية، لكن كبار رموز النظام وربما السيسي نفسه ينظرون إلى شفيق باعتباره رجل عصر مبارك وليس مناسباً للمرحلة الحالية، على عكس الفريق الذي يرى أنه يخدم مصر ويستحق أن يعود إلى رئاسة الحكومة، بعدما تركه مضطراً تحت ضغط الشارع عقب إطاحة مبارك بأقل من شهر.