سكايــــب


«عندك سكايب؟» سألت امرأة من المخيم صديقي عبد الذي يعمل في مقهى إنترنت. وبعد أن أجابها بنعم، أشارت إلى من معها خارج المحل، وفتحت يدها القابضة على ورقةٍ صغيرة كتب عليها «اسم المستخدم [email protected]» وكلمة السر. كأن هناك اتفاقاً بين أبناء المخيمات على أن يعرّفوا عن أنفسهم مع تاريخ النكبة. بدأ عبد بتشغيل السكايب وتجمعت العائلة حول الجهاز وبدأوا يحدقون إلى الإشارة التي تدور وسط الشاشة والتي تعلن بدء الاتصال المرئي، فتهمس الأم قلقة «سنراه هنا؟»، فيجيب عبد كعادته بهزّ رأسه إيجاباً من دون أن يتكلم. وما هي إلا لحظات حتى بدأت المحادثة وبصوت يسمعه الجميع «أمي ليش هيك نحفان؟ خطب عادل ابن خالتك ورامي اتسرّح من الجيش». لحظات وعادت الأم مرة أخرى ونادت عبد لتشكو إليه تقطّع الصورة، ولم يعلم عبد ما الذي يتقطّع، هل هو صوت الأم أم الشاب أم خط الإنترنت؟ رأيت في محل عبد، وفي أماكن أخرى، الكثيرين في المخيم ممن يتواصلون مع ذويهم؛ الخطيبة التي كانت تتشاجر 3 ساعات مع خطيبها الذي يعمل في خليج النفط العربي ولا تنهي المحادثة قبل المصالحة، أصدقاء شاب في الـ18 من عمره بدأ رحلة للعلم ولو في الصين، وآخرون. تعيدني هذه المشاهد إلى بيتنا العربي في المخيم قبل أن يصبح بناية بأربع طبقات. هناك، ما إن يصل نبأ اتصال عمي المغترب على الهاتف الأرضي إلى بيت عمتي القريب، حتى نتسابق جميعنا للحديث قبل وصول «ستي» التي كانت تضع السماعة تحت «الإشار»، بالقرب من أذنها جيداً، وتكتم بكاءها بطرفه الآخر بعد الجملة الأولى«كيفك يمّا؟». كانت ستي تتحدث بصوت عال كأنها تحاول إيصال صوتها إلى هناك حيث هو، تماماً كما يفعل مستخدمو السكايب في محل عبد، وتذكّرني بوسيلة قديمة تقريباً قضت عليها وسائل الاتصال الحديثة، أي شريط الكاسيت، حيث كان المغترب يسجّل بصوته متحدثاً مع نفسه عن أخباره وعمله ويرسله إلى عائلته التي تتجمع حول المسجلة. اليوم، لشباب المخيم هاجس كبير اسمه السفر، واليوم أكثر من البارحة. منهم من يقول «أنا لن أفعل شيئاً في المخيم»، ومنهم من يريد الدراسة، ومن يريد العمل، ومن يبحث عن جنسية تعطيه جواز سفر، ومنهم من يقول «هون ولا هنيك أخت بعضا». وفي زيارته الأخيرة للمخيم، همس عمّي المغترب في أذني ونحن نمشي في شوارع أحبها قبل أن يسافر «أعيش منذ 20عاماً هناك وأنا غريب حتى الآن، واليوم أعود إلى مكاني وأشعر أيضاً أني غريب هنا».
اليرموك ــ حسان حسان

■ ■ ■

«راكـــال»


لا أعرف لماذا بدا لي جهاز الإشارة العسكري «الراكال» شبيهاً بجهاز تحكّم لإطلاق الصواريخ. كنت قد شاهدت الراكال، المصّنع في المرحومة «جمهورية ألمانيا الديموقراطية»، في مكتب إحدى «الجبهات». ربما تهيّأ لي ذلك، لأن الرفيق «أبو الحكم»، عامل الجهاز، لم يخلع معطفه العسكري «الفيلد» إلى أن مات مجلوطاً قرب منزله في مخيم خان الشيح. يحلّ الشتاء ويتوارى الصيف، والرفيق مصرّ على دفء المعطف «الكوري الديموقراطي». كان مخلصاً للمهمة التي أسندت إليه: يغلق الباب على نفسه ليتلقّى أخباراً من أقرانه في المكاتب الشبيهة بمكتبه، يتلقّى خبر سقوط قذيفة فوق ركام شاتيلا، أو يرسل خبر لقاء الرفيق «الأمين العام» وسط العاصمة العربية «الخبيرة» مع موفد «الأخ قائد ثورة الجماهيرية العظمى» أو مع رئيس لجنة التضامن الأفرو آسيوي في وزارة الخارجية الهندية. يتحمّس حين يستقبل خبراً، ويتأفّف حين يرسل تحيات «القائد» إلى الجنود والناس الجوعى في مخيم برج البراجنة. زرت مكتب أبو الحكم حينها مع عائلة صديق لي في المدرسة، اصطحبتنا أمه ليكلّموا ابناً لهم في تونس غادر منزل العائلة إبان اجتياح بيروت في عام 1982، وكان لم يبلغ بعد السابعة عشرة من عمره. كانت المرة الأولى التي تسمع فيها العائلة خبراً عنه، حيث انقطعت أخباره لسنوات بقي خلالها في لبنان، إلى أن أخرجته «فتح» إلى تونس، ليطمئن قلب والدته التي رفضت نبأ مقتله حين وصلها، والتي لم تترك فرعاً أمنياً عروبياً إلا راجعته حين لمّح البعض إلى اعتقاله. في طقس البكاء الجماعي الذي بثّ ليصل إلى قرطاج، بدا صوت «الفدائي» منهكاً وهو يقول: «اشتقت يمّا»، ووعدها رغم تقطّع الإرسال بلقاء قريب. اللقاء جرى بعدها بسنوات في برلين، بعيد سقوط الجدار. بقيت تحدث به كل جاراتها وهنّ يصغين بانتباه متقطّع لكثرة ما كررت، ثم عادت بعد سنوات لتعيش مع ابنها «الضابط المسرّح» في ضواحي رام الله. تحادث اليوم أصوات حفيداتها العاشقات وصورهن من قرب ضريح محمود درويش، وباستطاعتها أن ترى وتشمّ عبيراً أخضر يتفشّى ياسميناً وليموناً في أنحاء الخرائط، وتعد الحفيدات بلقاء قريب، لقراءة الشعر قرب الضريح، حين يصير الربيع طقساً دائماً، يستوطن الفضاء الواقعي كما الافتراضي.

اليرموك ــ ثائر السهلي