منذ بضعة أيّام؛ عرفت أنّني يجب ألّا أستغرب أو أتضايق عندما تُطرح أسئلة لا أستطيع أن أصفها إلّا بالسخيفة. مثلاً: «كلّ يوم بتروحي ع فلسطين وبتيجي؟»، سألني أحدهم مرة، «إنتو عايشين بخيم؟»، سألوني مرة أيضاً. ومن الأسئلة المستفِزّة: «هيّاهم أعلنوا أنّه في إلكم دولة ..ليش ما بترجعوا؟» مثلاً. أو «الفلسطينيّين مش لازم يتزوّجوا، لأنهم عمبخلفوا وعبزيدوا عدد السكّان بالبلد»! مما سمعت أيضاً كلام لرئيس الجمهوريّة في مقابلة له في أرمينيا، عندما بدأ يتكلّم عن الضغوط والأمور التي من الواجب إيجاد حلول لها، قال «إنّه يجب أن نعمل للوصول إلى السلام ما بين الفلسطينيّين وإسرائيل»! يا ويلاه! سلامٌ مع الصهاينة؟! ومن ثمّ، وكما العادة تكلّم عن التوطين ومضارّه للجهتين الفلسطينيّة واللبنانيّة على السّواء.. وحقّ العودة! كما تطرّق إلى موضوع عدم الاعتراف بدولة فلسطين في الأمم المتحدة..إلخ. فإذا كان الرئيس يفكر بهذا المنطق، فكيف بالشعب؟

طبعاً، الكلام هنا ليس موجّهاً إلى الجميع. فالحمد لله هناك من يناصر القضيّة الفلسطينيّة، ويعلم أنّه لا سلام مع الأعداء القتلة.. وعندما نتكلّم عن حقّ الدولة، فإنّنا نشمل كامل التراب الوطنيّ الفلسطينيّ، بلا استثناء، ومن البحر إلى النهر.
ما يوصلنا إلى أنّ الدولة التي أُعلنت على حدود عام 1967؛ لا تمتّ إلى مصطلح «الدولة» بصلة. وهذه قصّة لصديق لي في الداخل، بلسانه، تثبت هذه الحقيقة:
«بحر عنا من الشمال للجنوب ومش قادرين نشمّه شم، وضاحكين علينا بالبحر المعفن، البحر الميت. ويا ريت بيصحلنا نشوفه وقت ما بدنا. خدي اضحكي وابكي على هالقصة: مرة نوينا شباب نطلع عهالبحر؛ طلعنا بسيارة 7 ورحنا، طبعاً قبل البحر في حاجز احتلالي، وهاد لازم تمرقي عنه قبل الـ5 الصبح. تأخرنا نص ساعة، مسكونا ولاد الكلب، نزلونا نعفونا شوي وشوية تفتيش وسمة بدن، بحكي الجندي لوين رايحين؟ قلناله عالبحر طبعاً.. حكى ولشو ذابحين حالكم عليه؟ عندكم بانيو او جاكوزي بالبيت؟ قلناله اه عنا! قال «عبوه مي وحطو كيسين ملح فيه وبصير زي البحر الميت.. يلا لفو وارجعو». بشرفي نصنا صار يعيط! ويلكم بحرنا ومن قلة البحر اجينا تنشم ريحة
بحر!».
فيا لها من دولة، لا تستطيع التحرّك فيها بحريّة. فيا سيادة الرئيس، ويا شعوب الدول العربيّة، هل عرفتم الآن لماذا لا يمكن أن يكون هناك سلام بيننا وبين الصهاينة؟ وهل تفهمون معاناة الفلسطينيّين في الداخل، وحنينهم إلى مدنهم التي لا تبعد عنهم سوى بضع ساعات بالسيّارة، لكنها في الحقيقة بعيدة بعد السّماء عن الأرض، في ظلّ هذا الاحتلال الغاشم؟