«قوم في شي لازم نحكي فيه»، بهذه العبارة الغريبة توقظ الأم ابنها. هذا الصباح غيرت الوالدة عبارتها المعتادة «قوم خلصت القهوة» إلى أخرى مثيرة للقلق. يجلسان في الصالون، مكان الأحاديث الجادة، تبدأ الوالدة حديثها: «ماما الأعمار بيد الله، ولا يعرف الإنسان ساعة وفاته». تهبط العبارة عليه كالصاعقة «عند هذا الصبح»، يتوقع خبر وفاة قريب، أو؟ تأخذ الوالدة نفساً عميقاً كأنها ستكشف له أنها مصابة بمرض عضال ما.

الجملة بحد ذاتها تثير المخاوف وكأنها تمهد لخبر سيئ. تكمل حديثها: «ماما، لا أعرف متى قد أموت، وبما أنك فلسطيني ولا تستطيع أنت أو أخوك أن ترثا هذا المنزل، لذلك دعنا نفكر معاً باسم من يمكننا أن نسجل المنزل ليرثه بعد وفاتي، ونأتمنه عليه كي لا يضيع حقك وحق أخيك فيه». الحديث نفسه كان قد دار مسبقاً بينهما، لكنه لم يكن قد وصل إلى هذا الحد من الجدية. يبدآن بعرض الأشخاص المحتملين «لوراثة» البيت وأصحابه أحياء. تصبح الأم (اللبنانية بالطبع) وابنها حكمين لتقويم أخلاق المرشحين المفترضين. المعايير التي وضعاها هي: الأخلاق ووقوف هؤلاء المرشحين بجانبهما في مواقف الشدة. الخيار الأول هو استبعاد أفراد العائلة، وذلك نتيجة مواقف سابقة. تضيق الحلقة تدريجاً، فيبدآن البحث بين الجيران. يقع الخيار على أحدهم. فهو «مؤمن، وبيخاف الله»، كما تصفه الوالدة. هاتان الصفتان ليستا دافعهما الأول. فالشاب الثلاثيني كان قد تربى في كنف تلك العائلة الفلسطينية منذ صغره، وأصبح مثل أحد افرادها. بعد وقوع الاختيار عليه، تتصل الوالدة بابنها الثاني المقيم في الإمارات. تخبره عمن جرى اختياره، وأنها بانتظاره ليأتي إلى لبنان في أسرع وقت ممكن، «كي أذهب أنا وأنت وأخوك وابن الجيران إلى كاتب العدل لنسجّل المنزل باسمه». تنهي الأم اتصالها بابنها لتتصل بمحامٍ قريب من العائلة. تسأله عن المطلوب كي لا يستطيع، حتى ابن الجيران، من أن «ينصب البيت على الأولاد». الحل القانوني هو منعه من البيع والشراء والتصرف بالمنزل إلا بحضور الولدين وتوقيعهما. يذهب المحامي أبعد من ذلك، ليقول إنه «حتى يُمنع على أحد الولدين بيع المنزل من دون وجود الآخر وحضوره».
«الشربوكة» القانونية التي تقوم بها هذه العائلة هي مثال على ما تعانيه المئات من العائلات الفلسطينية في لبنان، وذلك بسبب منعها من التملك أو توريث ما تملكه. لكن رغم أن الأم في حالة هذه العائلة لبنانية، إلا أنها لا تستطيع أن تورث أطفالها الفلسطينيين المنزل الذي عاشوا فيه؛ لأن الأم اللبنانية حتى الآن لم تستطع أن تعطي أبناءها جنسيتها.
في مخيم برج البراجنة يتناقل أبناء المخيم رواية مضحكة مبكية، حصلت لأبو يوسف، أحد أبناء المخيم، وذلك بسبب ظلم القوانين اللبنانية للفلسطينيين. فالرجل أراد أن يسجل شقته التي اشتراها في منطقة الغازية، باسم أخيه الذي «أنعم الله» والدولة الدنماركية عليه بالجنسية الأوروبية. الحل الذي كان قد رسمه الرجل لتسجيل شقته باء بالفشل؛ إذ إن الدولة اللبنانية في الفترة الممتدة من 2001 حتى 2005 منعت حتى على الأجانب من أصل فلسطيني تسجيل الشقق بأسمائهم، بسبب تطبيق خاطئ للقانون، فكان الحل الوحيد الذي يملكه الرجل هو تسجيل الشقة باسم الخادمة التي تعمل عنده. يضحك أبو يوسف ساخراً من الوضع الذي يعيشه، قائلاً: «صار بدنا رضاها كرمال ما تزعل وتاخد البيت». يؤكد الرجل أنه في تلك الفترة كانت الخادمة «الخيار الوحيد؛ لأنه لا أقارب لبنانيين لنا» يقول الرجل.
هكذا، تضطر الدولة اللبنانية اللاجئين الفلسطينيين على أراضيها إلى أن يحتالوا عليها وعلى قوانينها، وأن يعمدوا إلى تسجيل شققهم بأسماء أقارب لهم يحملون جنسيات لبنانية أو أجنبية. أما بالنسبة إلى الباحث الفلسطيني د. سهيل الناطور، فيقول إن «الدولة اللبنانية منعت بالقرار الصادر عن حكومة رفيق الحريري في تاريخ 20 آذار 2001 الذي يحمل رقم 296 كل الفلسطينيين من تسجيل ما يملكونه، خوفاً من التوطين». يضيف الناطور: «خلال تطبيق هذا القرار منع جميع الفلسطينيين، حتى الذين يحملون جنسيات أخرى، من تسجيل أملاكهم بأسمائهم. لكن بعد مراجعة سفارات تلك الدول للحكومة اللبنانية وانتقاد التمييز الذي يتعرض له مواطنوها، عادت حكومة فؤاد السنيورة لتسمح لهؤلاء بتسجيل البيوت بأسمائهم». الناشطون الفلسطينيون أسسوا حملة «حق الملكية» تتكون من 12 جمعية فلسطينية، وذلك للمطالبة بالسماح بتملك اللاجئين الفلسطينيين، فأعد الحقوقيون منهم اقتراح قوانين لتعديل القانون الجائر الصادر في عام 2001. طاف به هؤلاء على ممثلي الأحزاب اللبنانية، على أن يلتقوا في ما بعد بنواب لبنانيين سيقدمون مشروع الاقتراح لمجلس النواب. قبل هذه التحركات، كان قد أقام مسؤولو حملة «حق الملكية» حملات توعية وندوات لشرح أن حق الملكية للاجئين الفلسطينيين لا يتناقض مع حق العودة ومقدمة الدستور اللبناني الرافض للتوطين.
هكذا، وإلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، سيبقى الفلسطينيون يورثون ما يملكون وهم أحياء، عسى أن تنصفهم الدولة اللبنانية، ولو لمرة واحدة، بتطبيق أبسط حقوق الإنسان، الذي دائماً يقول اللبنانيون إنهم شاركوا في كتابته، هو «حق التملك».




كان قانون تملك الأجانب رقم 11614 قد نص على حق تملك الأجانب كافة. ثم عدل قانون تملك الأجانب بالمرسوم رقم 296 تاريخ 20 آذار 2001، الذي خص الفلسطيني بعدم التملك في لبنان. وكان قانون منع التملك يمثّل انتهاكاً للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الذي ينص في المادة الثانية منه على أنه «يحظر على أي دولة أو مؤسسة أو جماعة أو أي فرد إجراء أي تمييز عنصري كان في ميدان حقوق الإنسان والحريات الأساسية في معاملة الأشخاص أو الجماعات أو المؤسسات بسبب العرق أو اللون أو الأصل الإثنية».