تونس | نجحت الثورة التونسية في وضع حد لفساد الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي وأقاربه، أما استعادة ما نهب من ثروات البلاد فلا يزال في بدايته. فعلى الرغم من مرور عام على اندلاع الثورة، ودراسة اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد والرشوة قرابة عشرة آلاف ملف، إلا أنها لم تحل سوى ثلاثمئة ملف إلى النيابة العمومية، يتعلق معظمها بتجاوزات الرئيس السابق وعائلته وأصهاره.


تجاوزات كانت موضع تقرير أعدته اللجنة، وخلص إلى أن منطومة الفساد والرشوة تكونت ﺑﺼﻮرة ﺗدرﻳﺠﻴﺔ وتدعمت ﺷﻴﺌﺎً ﻓﺸﻴﺌﺎً، ﻓﺄﺣكمت ﻗﺒﻀﺘﻬﺎ ﻋﻠﻰ اﻟدوﻟﺔ واﻟﻤﺠﺘﻤﻊ وتمظهرت ﻋﻨﺎﺻﺮها بصورة أكثر وضوحاً داﺧﻞ ﻋدد ﻣﻦ اﻟﻤؤﺳﺴﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ واﻹدارﻳﺔ واﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻟﻠﺪوﻟﺔ، وكذلك ﻓﻲ ﻋﺪد ﻣﻦ اﻟﺠﻤﺎﻋﺎت اﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ واﻟﻤﺆﺳﺴﺎت واﻟﻤﻨﺸﺂت اﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ. كما ﺷﻤﻠﺖ ﺗﻨﻈﻴﻤﺎت ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ، ﻋﻠﻰ رأﺳﻬﺎ اﻟﺘﺠﻤﻊ اﻟﺪﺳﺘﻮري الديموقراطي، وأﺧﺮى اﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ وﻋﺪداً ﻣﻦ وﺳﺎﺋﻞ اﻹﻋﻼم واﻻﺗﺼﺎل، ﻓﺄدت إﻟﻰ إرﺳﺎء ﺳﻠﻮكيات وﻣﻮاﻗﻒ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ أﺛﺮت ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻘﻠﻴﺔ اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ.
وقدّرت ثروة الرئيس المخلوع بأكثر من خمسة مليارات يورو في الداخل والخارج، تسعى السلطات التونسية لمحاولة استردادها. وبالنسبة الى الأموال الموجودة في الداخل، فقد صادرتها أجهزة الدولة، لتصبح المؤسسات الضخمة، التي كان يمتلكها المقربون من بن علي، ملكاً للدولة التونسية. فتم تسخير متصرفين قضائيين لإدارتها، وتمت مصادرة العقارات والأراضي والقصور والسيارات، فيما أعلن رئيس الجمهورية الجديد المنصف المرزوقي عن توجه لعرض القصور التابعة للعائلة الحاكمة سابقاً للبيع في مزاد علني واستغلال كل عائداتها لفائدة التشغيل.
أما الأموال الموجودة في البنوك العالمية، وخاصة في سويسرا، فقد جمّدت ولم تحوّل إلى تونس باستثناء النذر اليسير من الممتلكات، مثل الطائرة التي كان يمتلكها صهر بن علي صخر الماطري.
مجالات وطرق الفساد
وفقاً للجنة الوطنية لمكافحة الفساد والرشوة، فإن أساليب الإثراء غير المشروع التي كان يعتمدها النظام السابق عديدة ومختلفة، من ضمنها تغيير ﻁﺒﻴﻌﺔ الأراضي ﻟﺠﻌﻠﻬﺎ قابلة ﻟﻠﺒﻨﺎﺀ، وأحياناً تغيير الأراضي ﺍﻟﻤﺨﺼﺼﺔ ﻟﻠﺒﻨﺎﺀ من صنف ﺇﻟﻰ صنف آخر ﻟﺘﺤﺼل ﻟﻠﻤﻨﺘﻔﻊ مكاسب، تتفاوت ﺃﻫﻤﻴﺘﻬﺎ بتضاعف ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﺍلاﻗﺘﺼﺎدية ﻟﻸﺭﺽ ﻋﺩﺓ مرات، ﻭﺫﻟﻙ بمجرد إصﺩﺍﺭ ﻗﺭﺍﺭ تغيير صيغة ﺍﻷﺭﺽ.
ﻭﻗﺩ مثل ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻤﺠﺎل مصدر ثراء فاحش لعديد من الأشخاص، ﻭﻓﻲ مقدمهم ﺃﻓﺭﺍﺩ العائلة الموسعة لرئيس الجمهورية السابق والمقربون منه.
ففي مدينة الحمامات السياحية، تحصّلت زوجة بن علي ليلى الطرابلسي على أرض مساحتها 3500 متر مربع بقيمة 100 دينار (قرابة 66 $) فقط لكامل الأرض، بينما يبلغ سعر المتر الواحد في تلك المنطقة السياحية والفخمة آلاف الدنانير. وبيّن رئيس اللجنة أن عمليات التفتيش بيّنت أن فواتير البناء والتجهيز واقتناء الأرض كانت على حساب ميزانية رئاسة الجمهورية.
أما في مجال الصفقات العمومية، فقد أوضح رئيس اللجنة أن رئيس الحكومة السابق محمد الغنوشي أفاد خلال جلسة استماع مع اللجنة بأن قرار إسناد الصفقات العمومية الكبرى كان يتخذ في قصر قرطاج، بموافقة الرئيس أو برفضه. ومن أهم الصفقات العمومية التي تدخّل فيها الرئيس السابق صفقة إنشاء وحدة الغاز المسيل والصفقة المتعلقة بمركز الخزن وتعبئة المحروقات السائلة بالمنطقة الصناعية بقابس (جنوب تونس)، حيث أمر بن علي بأن تؤول إلى شركات بعينها، رغم أن عروضها كانت أقل من عروض شركات أخرى.
كذلك، ذكرت لجنة تقصي الحقائق تجاوزات عديدة أثناء خصخصة الشركات لفائدة أصهرة الرئيس المخلوع والمقربين منه. وكمثال على ذلك، تبرز قضية شركة «المحرك» التي أفاد أحد العارضين لشرائها بأنه تم استدعاؤه، وإعلامه بأن رئيس الدولة يطلب منه التخلي عن العرض لفائدة ابنته. وجاء في التقرير أيضاً أن أحد مستشاري الرئيس قام بالعديد من الضغوط في هذا الشأن، بالإضافة إلى عديد الشركات الأخرى كالاتحاد الدولي للبنوك وشركة النقل وشركة ألفا للشاحنات وشركة قرطاج للطيران وشركات كبرى في قطاع الاتصالات التي استفادت من إدخال بنات الرئيس التونسي المخلوع وأصهاره، كصخر الماطري وبلحسن الطرابلسي، فيها مباشرة.