لا يزال الملف السوري يحمل يومياً إشارات ومعلومات متضاربة ومتناقضة، ممزوجة بالتفاؤل والتصعيد والإنذارات والمهل. ولم تخرج تطورات اليومين الماضيين عن هذا السياق، قبل أن تميل الكفّة نحو ترجيح توقيع سوريا اليوم على صيغة جديدة يعلن عنها لاحقاً من بروتوكول بعثة المراقبين الذين قررت الجامعة العربية إرسالهم إلى سوريا؛ وبدأت مؤشرات التفاؤل بالخروج من دوائر القرار الخليجية، قبل أن تواكبها مؤشرات مماثلة تؤكد التوجه السوري إلى توقيع نسخة معدلة للبروتوكول؛ فرغم تحديد اللجنة العربية المكلفة الاتصال بالحكومة السورية مهلة تتمثل في يوم الأربعاء لكي توقّع دمشق قبل انقضائها على بروتوكول المراقبين المنوي إرسالهم إلى سوريا لتقصّي الحقائق و«حماية المدنيين»


، تحت طائلة تحويل العرب الملف السوري إلى مجلس الأمن الدولي، خرجت علامات التهدئة هذه المرة من الرئاسة القطرية للجنة العربية، حيث أعلنت الدوحة أن معلوماتها تفيد بأن الرئيس بشار الأسد سيوقّع على المبادرة العربية الهادفة إلى حل الأزمة في البلاد. ومن غير المعروف ما إذا كان هذا التطور «المفاجئ» مرتبطاً بتقدم ما للوساطة العراقية التي تنقّلت بين دمشق والقاهرة من عدمه. وبحسب تسريبات جرى التداول بها مساء أمس، قد يحمل ظهر اليوم الرد السوري الرسمي على كافة التخمينات، إذ إن وزير الخارجية وليد المعلم سيعقد مؤتمراً صحافياً لتقديم الرد السوري الايجابي، بحسب المصادر الإعلامية نفسها. وبناءً عليه، أوضحت مصادر دبلوماسية أن نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد سيتوجه اليوم إلى القاهرة للتوقيع على صيغة جديدة للبروتوكول، سيُعلن عنها في وقت لاحق، وذلك في أعقاب محادثات الوفد العراقي في العاصمة المصرية مع الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي.
وبعد يوم واحد عن إعلان رئيس وزراء قطر حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، باسم اللجنة العربية المكلفة متابعة الأزمة السورية التي اجتمعت في الدوحة أول من أمس، أن العرب سيقررون نقل الملف السوري إلى مجلس الأمن الدولي يوم الأربعاء المقبل لإعداد مشروع قرار دولي إن لم توقّع دمشق على بروتوكول المراقبين قبل هذا التاريخ، نقلت فضائية «العربية» السعودية عن بن جاسم قوله أمس إن «الرئيس السوري بشار الأسد سيوقّع المبادرة العربية». غير أن وكالة «فرانس برس» عادت لتخفّف من وقع التفاؤل القطري عندما نقلت عن بن جاسم نفسه قوله «نأمل أن يوقّع (الأسد) البروتوكول. اليوم (أمس)، وصلتنا معلومة أنه سيوقّع. صحيح أم غير صحيح؟ سنرى». وتابع رداً على سؤال أن «تنحّي الأسد أو تغيير النظام يعني الشعب السوري، أهم شيء هو وقف العنف والقتل وإطلاق الأسرى وإدخال الإعلاميين للاطلاع على الحقيقة. المهم أن يتصالح (الأسد) مع شعبه. أما التغيير فهذا أمر يخصّ الشعب السوري». كلام سبقه آخر لمصادر إعلامية تحدثت لـ«العربية»، مفاده أن دمشق «اشترطت للتوقيع على بروتوكول المبادرة العربية توقيع دول لجنة المتابعة الخمس والسعودية، بروتوكولاً سمّته بروتوكول وقف حملات الإعلام التحريضية ضد سوريا». وأفادت هذه المصادر الإعلامية لـ«العربية» أن الشرط السوري الجديد أغضب الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل العربي، إذ اعتبره «تهريجاً» ومماطلة جديدة، مع ترجيحها أن يكون هذا الشرط السوري قد عجّل في اتخاذ لجنة المتابعة قرارَها بالتوصية بإحالة المبادرة العربية على الأمم المتحدة. وفي السياق المتفائل أيضاً، كشف وزير الخارجية في سلطنة عمان، يوسف بن علوي، أنه وزملاءه في مجلس التعاون الخليجي «متفائلون بأن سوريا ستوقّع على برتوكول بعثة المراقبين خلال 24 ساعة». ورداً على سؤال بشأن ما ينوي مجلس وزراء الخارجية العرب فعله يوم الأربعاء المقبل في القاهرة، أجاب بن علوي «سيتخذ قرارات إذا لم يوقّع السوريون على البروتوكول». وكان الشيخ حمد قد قال، في مؤتمر صحافي في الدوحة غداة اجتماع لجنة المتابعة الوزارية العربية، إنه «بما أن روسيا ذهبت إلى مجلس الأمن، فالجامعة العربية ستنظر أيضاً في التوجه إلى مجلس الأمن، وذلك خلال اجتماعها بالقاهرة في 21 الشهر الجاري»، معرباً عن أمله بأن «يعيد الإخوة في سوريا النظر في الأمر، وأن يحصل التوقيع خلال يومين، وإذا لم يحصل ذلك فلا حول ولا قوة». وبرّر الشيخ حمد قرار اللجنة الوزارية العربية بالقول «نحن متهمون بالبطء، ولم نجد شيئاً إلى الآن (من قبل القيادة السورية) للأسف إلّا التصعيد. هدفنا كان أن يفهموا أننا لا نريد لهم سوى الخير، والآن واضح أنه لا يوجد حل». وتوقّع المسؤول القطري أن يكون اجتماع مجلس الجامعة العربية المقبل (الأربعاء) «حاسماً، لذلك نأمل أن يوقّعوا (السوريون) قبل هذا التاريخ، فبعده لا نستطيع الاستمرار بهذا الموضوع، وسيخرج الأمر عن السيطرة العربية».
وعن مضمون مشروع قرار محتمل أمام مجلس الأمن، شرح وزير الخارجية القطري: «نحن لا نتحدث عن تدخل عسكري. وهذا طبعاً سيعرَض على مجلس الجامعة، وهذا اقتراح من الغالبية في اللجنة العربية أن على مجلس الأمن تبنّي وجهة النظر العربية، سواء في المبادرة أو البروتوكول أو باقي القرارات العربية، حمايةً للمدنيين». وطلب الشيخ حمد من «الجانب السوري أن يدرك ويرى ما حصل في دول كثيرة ويستنتج أن من المهم الانصياع لإرادة الشعب، لأن المراهنة على السيطرة الأمنية لم تنجح في أي مكان».
كل ذلك رغم أن نائب الأمين العام للجامعة العربية أحمد بن حلي استبق اجتماع الدوحة بالحديث عن وجود «مؤشرات إيجابية» لتوقيع سوريا على البروتوكول، قبل إعلانه أن «الجانب السوري لن يحضر (الاجتماع الوزاري) اليوم»، بعدما أشارت معلومات إلى أن المعلم ينوي التوجه إلى العاصمة القطرية للتوقيع على الوثيقة الخاصة بالمراقبين بعد التوصل إلى حل يتعلق بالشروط السورية الموضوعة عليها.
ويتمحور الخلاف الجديد بين الحكومة السورية واللجنة الوزارية العربية حول مفهوم «حماية المواطنين» في شرح وثيقة بروتوكول المراقبين لهدف البعثة المقرر إرسالها إلى سوريا، حيث يصرّ العرب على «حماية المدنيين أو المواطنين العزَّل»، بحسب رئيس الوزراء القطري الذي أضاف «لكنهم (المسؤولين السوريين) رفضوا هذا البند». وعن هذا الموضوع، لفت الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي، خلال المؤتمر الصحافي، إلى أنه «إذا قبلوا (المسؤولون السوريون) بمصطلح المدنيين أو المواطنين العزّل، فأهلاً وسهلاً، فهي نقطة الخلاف الوحيدة».
على صعيد موازٍ، دارت عجلة المبادرة العراقية، حيث انتقل الوفد العراقي الذي يرأسه مستشار الأمن القومي فالح الفياض، ويضم النائب عزت الشاهبندر، من بغداد إلى دمشق فالقاهرة. وفي عاصمة الأمويين، اتفق الطرفان السوري والعراقي على وصف اللقاء مع الرئيس السوري بشار الأسد بـ «الإيجابي». وأعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» أن الأسد «أعرب عن تقديره للجهود الصادقة التي تقوم بها بعض الدول العربية، وخاصة العراق الشقيق، لمساعدة سوريا في الخروج ممّا تمرّ به»، مؤكداً أن «سوريا تعاملت بإيجابية مع جميع المقترحات التي قدّمت إليها، لأن من مصلحتها أن يعرف العالم حقيقة ما يجري في ظل التشويه وقلب الحقائق الهادفين إلى إفشال أي أفق للحل». وإثر وصوله إلى القاهرة آتياً من دمشق، قال الفياض إن «جهودنا مستمرة للوصول إلى اتفاق بين المعارضة والحكومة في سوريا».
وقد التقى الوفد العراقي بنبيل العربي لإطلاعه على «نتائج المباحثات» مع الأسد، إضافة إلى تدبير مواعيد للاجتماع بأطراف من المعارضة السورية «في أسرع وقت ممكن». وفي وقت لاحق، أعلن الفياض أن وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري «سينطلق» بالمبادرة قريباً «عبر نقل تفاصيل وآليات تطبيق المبادرة العراقية إلى الجامعة العربية والأطراف السورية». وفي ردّه على سؤال بشأن تحويل الملف إلى مجلس الأمن الدولي، أجاب الفياض أن «الأمين العام مع الحل العربي وعدم تدويل القضية». وأفصح، عقب لقائه بالعربي، عن أن «المبادرة هي عبارة عن جهود موازية لجهود الجامعة العربية من أجل إنضاج حل بين أبناء الشعب السوري».
(الأخبار، أ ف ب، رويترز، يو بي آي)