القاهرة | إنها الحرب التي تحرق حتى الشجر وسط القاهرة. حرب يديرها المجلس العسكري وميليشياته الملثّمة، بمرافقة بلطجيّة، وقوات أمن سرية، ضد الثوار المسالمين في شارعي قصر العيني، والشيخ ريحان، فتقتل عشرة منهم، وتصيب قرابة 450 (وفقاً لتقديرات وزارة الصحة المصرية)، وتعتقل 164 ناشطاً، بعضهم حالته خطرة. وبينما كان ناشطون يتهمون العسكر بحرق المجمع العلمي، وتكليف بلطجية باقتحام أجزاء من مجلس الشعب، اتهم جهاز النيابة النشطاء بالشروع بالقتل العمد، وحيازة مفرقعات، وأسلحة نارية وبيضاء، والإتلاف العمدي لتراث المجمع اللغوي، ومقاومة رجال الشرطة بأعمال الإرهاب.


واللافت أنه لم يتم تقديم أي من القوات العسكرية والأمنية للتحقيق عشية المؤتمر الصحافي للمجلس العسكري اليوم الاثنين. في غضون ذلك، رصدت «الأخبار» صعود العشرات من جنود الشرطة العسكرية والبلطجية فوق المباني الحكومية، حاملين كميات كبيرة من الحجارة وقنابل المولوتوف، التي ألقوها على المتظاهرين الذين كانوا يقومون بنقل المصابين إلى المستشفى الميداني، بجوار مسجد عمر مكرم.
في الوقت نفسه، عمدت قوات الشرطة العسكرية الى احتجاز نشطاء من حركة شباب 6 أبريل. وما بين كر وفر، روى نشطاء وناشطات لـ«الأخبار» عن أعمال التعذيب والاعتداء الوحشي التي تعرضوا وتعرضن لها في الأيام الماضية، على أيدي قوات الجيش.
الشاب عبودي إبراهيم عبودي، الذي يعتبره البعض الفتيل الأول للأحداث، وهو يعاني من جراح بالغة واضحة في الوجه والرأس، قال إنه «سمع أن شارع مجلس الوزراء سيتم اقتحامه، فسأل ضابطاً عن رخصته وبطاقته، فرفض الأخير الإجابة، مطلقاً ناراً في الهواء. بعدها بساعتين، فوجئنا باقتحام قوات الجيش وبلطجية لاعتصام مجلس الوزراء، ضربني الضابط على رأسي، وبعدها فقدت الوعي تماماً».
الصيدلانية الشابة غادة كمال، الناشطة في حركة 6 أبريل، قالت: «انهالوا عليّ بالضرب في كل أنحاء جسمي وشتموني. وكان أحد الجنود يشير الى عضوه الذكري، ويقوم بإشارات بذيئة بأصابع يده ثم احتجزني. العسكري أمسكني من شعري، سحلني على الأرض. وتعرضت لضرب مبرح».
إسماعيل، الذي يعمل في شركة أدوية، سمع عن هجوم الجيش على المعتصمين، وراح يؤازر «ثوار مجلس الوزراء»، إلا أنه اختطف، «قالوا لي هانحرقكم (سنحرقكم). احتجزوني داخل مجلس الشعب، وضربوني بالهراوات، وفقدت الوعي». لعل اللقطة الأبرز تمثلت في قيام الجيش، أول من أمس، بالهجوم على المستشفى الميداني في عمر مكرم، فحرقوا أدوية وتحرشوا بالأطباء. بعدها خرجت هذه القوات وأحرقت باقي الخيام في ميدان التحرير، لكن النشطاء طاردوهم إلى ناحية مجلس الشعب.
في الوقت نفسه، وزع الناشطون في الميدان صوراً لمجند يقوم بسحل فتاة من شعرها، الجمعة الماضي، ورصدوا مكافأة 10 آلاف جنيه، لمن يرشد عن هذا المجند. التطورات كلها تشير الى أن نهاية المجلس الاستشاري سبقت بدايته، بعدما انتهى اجتماع أعضاء المجلس الاستشاري، أول من أمس، إلى قبول بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة وانتظار تنفيذ ما جاء فيه، حسبما قال رئيس المجلس منصور حسن.
حسن دعا أعضاء المجلس، بمن فيهم المستقيلون، إلى الاجتماع في منزله، وشهد كذلك استقالة ثلاثة منهم: مصطفى كامل السيد ونيفين مسعد وأسامة برهان، من عضويته. لكنه من جهة أخرى، رفض التعليق على سؤال من «الأخبار»، حول ما إذا كان قبول بيان المجلس العسكري يعني التراجع عن قرار تعليق عمل المجلس الاستشاري، الذي كان قد أعلنه المجلس الجمعة الماضي، رداً على اعتداءات الجيش على المتظاهرين، قائلاً «الموقف حساس ولا يتحمل المزيد من التصريحات». لكن اللافت للنظر هو موقف الأمين العام للمجلس الاستشاري محمد نور فرحات، الذي ينتقد الاستقالات ويصفها بأنها استقالات «إعلامية»، مضيفاً «لم تصلني ولم تصل الى رئيس المجلس أي استقالات رسمية مكتوبة، وعلى كل حال لا أستطيع اعتبار أن المجلس يتصدع أو ينتهي، فإذا كان مجموع الاستقالات وصل إلى عشرة، فقد بقي من أعضاء المجلس عشرون آخرون». في المواقف، طالبت منظمات المجتمع المدني رئيس الحكومة، كمال الجنزوري، بتقديم استقالته. وطالبت الحكومة المصرية والمجلس العسكري بإنشاء لجنة تحقيق مستقلة من قضاة التحقيق لكشف ملابسات هذه الأحداث.
أما مجلس نقابة الصحافيين، فقد أكد من جهته، رفضه لأية تبريرات أو حجج واهية يسوقها القائمون على إدارة البلاد وخاصة المجلس العسكري والحكومة الجديدة، التي وعدت على لسان رئيسها بعدم الاعتداء على المتظاهرين. وطالب مجلس النقابة بالكف فوراً عن الاعتداءات على المتظاهرين وضرورة تقديم اعتذار عاجل عما ارتكب من جرائم.




الفتاة التي عرّت فاشيّة العسكر


الفتاة التي عرّت فاشية المجلس العسكري، وميليشياته الملثمة التي تنفذ حروب شوارع ضد الثوار السلميين، هي نفسها الفتاة التي عرّاها جنود الشرطة العسكرية. ونشرت كل الصحف العالمية صورتها في صدارة صفحتها الأولى، رفضت الكشف عن اسمها، وهذا حقها، لكن «الأخبار» التقت نشطاء شاركوا في تحريرها من فك الذئاب المتوحشة.
الفتاة التي تشعر بالألم والاكتئاب، وبينهما مشاعر ضمنية بالفخر معاً لأنها فضحت حكم العسكر، الذي يخرج بين الحين والآخر ليقول إنه لم ولن يستهدف ثوار مصر، كانت تقف مع آخرين في وسط ميدان التحرير، قبل أن يقترب منها جنود من فرقة المظلات ويجذبونها من شعرها. لكنها قاومت، فجذبوها مجدداً، حاولت الهرب، لكنها وقعت على الأرض. حاول النشطاء مساعدتها على القيام، لكنها كانت في قبضة ثلاثة جنود، قاموا بسحلها. الفتاة قاومت، بأيديها وأرجلها، لكن ضربة من هراوة أحد الجنود، أفقدتها وعيها تماماً، بعدها التف حولها خمسة جنود، قام اثنان منهم، برفعها بعدما عرّياها من ملابسها فظهرت ملابسها الداخلية، كما أظهرت الصور التي نشرتها وسائل الإعلام العالمية. بعد محاولة الجنود خطفها، ثار نشطاء، وألقوا الحجارة صوب جنود الجيش الذين حاولوا عدم تركها، لكن النشطاء حرروها، وأخذوها في سيارة أجرة. الفتاة التي تعرّت تجلس في بيتها الآن مكتئبة، ومتوقفة تماماً عن الكلام، فصورتها في كل الأحوال أبلغ.