في ظل غياب مواقف رسمية تكشف عن حقيقة المقاربة الإسرائيلية لحدث انسحاب الاحتلال الأميركي من العراق، يمكن العثور على خبايا هذه المقاربة من خلال تعليقات الصحف الإسرائيلية. وعند قراءة هذه التعليقات، يصبح مفهوماً الصمت الإسرائيلي الرسمي، الذي يشبه كبتاً سياسياً لا تتيح طبيعة العلاقات مع الحليف الأميركي التنفيس عنه. فالانسحاب من بلاد الرافدين، بحسب الصحافة العبرية، ليس سوى فرار يعكس فشلاً في أداء المهمة التي شُنّت لأجلها الحرب، وهي ضم العراق إلى منظومة النفوذ الأميركية وتطويق المدّ الإيراني عبره.


وتعظم مصيبة الانسحاب على إسرائيل في ضوء حصولها على وقع الربيع العربي، الذي كرّرت فيه واشنطن خطأها، بحسب الصحف العبرية، بإطاحة ديكتاتور من دون إعداد البديل الذي يضمن مصالحها.
وتحت عنوان «وداعاً يا عراق»، رأت صحيفة «هآرتس»، في افتتاحيتها، أن الانسحاب الأميركي ينهي فصلاً مأساوياً في تاريخ الولايات المتحدة والعراق ويجعل الوقت مناسباً لإجراء «حساب النفس والدم والجيب لتلك الحرب». فالعراق، بحسب الصحيفة، «لم يصبح دولة أكثر أمناً، كذلك فإن ديموقراطيته موضع خلاف، وهو أحد الدول الأكثر فساداً في العالم (المرتبة 175 من أصل 178 دولة). ورغم أنه يملك رابع احتياطي نفطي في العالم، فإنه لا ينجح في توفير الكهرباء بانتظام لمواطنيه، فضلاً عن أن جودة الخدمات العامة والأمن الشخصي للمواطنين يجعل البلد واحداً من أسوأ الدول».
وتمضي «هآرتس» في تقديم جردتها الحسابية الموجزة للحرب، فترى أن مهمتها الإقليمية كانت تحويل العراق إلى دولة فاصلة في وجه انتشار النفوذ الإيراني في المنطقة «وكان يفترض أن تجعل من العراق دولة مستقلة من الناحية الاقتصادية، وأن ينضم كدولة قوية وديموقراطية إلى السور العربي في مواجهة إيران. أما النتيجة فجاءت معاكسة؛ فالعراق هو الحليف الأهم لإيران في المنطقة، اقتصادياً وسياسياً، ولا يزال يُعَدّ دولة مشبوهة في الجامعة العربية، والصراعات الداخلية فيه لا تضمن مستقبل التحالف بينه وبين الولايات المتحدة».
وخلصت الصحيفة إلى أنّ الحرب الأميركية في العراق «لقنت الولايات المتحدة والمنطقة درساً استراتيجياً قاسياً؛ إذ إن العراق وأفغانستان شكّلا الصدمة الحربية ما بعد حرب فيتنام. صدمة ينبغي أن توضع أمام أنظار كل من يتطلع إلى حرب جديدة ضدّ إيران».
من جهتها، ربطت صحيفة «معاريف» بين تزامن الذكرى السنوية الأولى للربيع العربي و«الفرار الأميركي من العراق». وكتب محلل الشؤون العربية في الصحيفة، عوديد غرانوت، أن «ما بدأ قبل تسع سنوات كاستنفار أميركي يستهدف إطاحة الدكتاتور صدام حسين، وإقامة ديموقراطية حقيقية في العراق تكون حليفة واشنطن في الشرق الأوسط، تقلّص تحت حكم (الرئيس الأميركي باراك) أوباما إلى هدف أكثر تركيزاً: الانصراف من العراق بكرامة، وبالحد الأدنى من الإهانة بما يسهل عملية انتخاب أوباما لولاية ثانية».
ولم يحد غرانوت في تقويمه لنتائج الحرب الأميركية عن الخلاصات التي توصلت إليها «هآرتس»، فرأى أنّ «القوات الأميركية تترك خلفها عراقاً غير مستقر مع بُنية تحتية سياسية متهالكة وتوتر طائفي، عرضة للتآمر المتعاظم والنفوذ القوي من جانب إيران الشيعية المجاورة». والاستنتاج الذي يترتب على ذلك، وفقاً للكاتب، أن «قطع رأس دكتاتور عربي بوسائل عسكرية أسهل من تغيير ميزان القوى الداخلي في أي دولة لخلق قاعدة للديموقراطية واحترام حقوق الإنسان بالتدخل الخارجي». ويُسقط غرانوت استنتاجه هذا على الواقع المصري، مشيراً إلى أنه «لو فهمت الإدارة الأميركية هذا الدرس العراقي، لما سارعت قبل عام إلى غرس سكين في ظهر الدكتاتور (حسني) مبارك وطالبته بحزم بالتنحي فوراً، قبل أن تتأكد من أسس إقامة ديموقراطية حقيقية في مصر، يتمتع فيها المواطنون، بمن فيهم الأقليات، بالحقوق الكاملة والمساواة».
وإذ يرى أن الربيع العربي لا يزال، بعد مرور عام، بعيداً عن نهايته رغم أن الشتاء قد حل، يخلُص غرانوت إلى أن «الاتجاه العام لا يبشر بالخير للغرب ولإسرائيل. فالتدخل الأميركي للإطاحة بالدكتاتوريين في الشرق الأوسط واستبدالهم بأنظمة ديموقراطية لم يثبت نفسه بعد كأمر ناجع، مع صعود التيارات الإسلامية، ولم يجعل من أميركا حبيبة للشارع العربي». ويضيف أن «الفرار من العراق وامتناع واشنطن عن عمل حازم ضد إيران المتحولة نووياً أثرا جدياً في صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى مصممة على الدفاع بأي ثمن عن مصالحها وعن حلفائها في المنطقة». وعن خلفية هذا الأمر، يقول إن «السعودية، الحليف الأفضل لأميركا في الشرق الأوسط، فهمت منذ الآن أنه ليس لديها ما تعتمد عليه في المواجهة مع إيران، لذلك بدأت تتصرف كفاعل كبير في المنطقة: فأرسلت قوات عسكرية إلى البحرين لمنع سقوطها في يد القوى المؤيدة لإيران؛ وضمّت الأردن، لكونه جزءاً من الجبهة المعتدلة، إلى الحلف الدفاعي لدول الخليج؛ وتنكّرت تماماً لبشار الأسد، الذي ارتبط بمحور الشر».
ويعتقد الكاتب أن إسرائيل «كفيلة، عاجلاً أو آجلاً، بالوصول أيضاً إلى الاستنتاج التالي، بأنّ من المُجدي تقليل الاعتماد على التدخل الأميركي لحماية مصالحها الحيوية، والمجدي أكثر العمل بالتعاون والتنسيق مع العناصر المعتدلة في العالم العربي، بزعامة السعودية ودول الخليج التي ترى في إيران تهديداً جسيماً. والثمن الذي يتعين على إسرائيل أن تدفعه سينطوي على تحسين العلاقات مع الأردن والسعي إلى تسوية سلمية مع الفلسطينيين، وسيكون هذا أيضاً الردّ على تصاعد دور القوى الإسلامية المناهضة لإسرائيل في العالم العربي».
وفي «يديعوت أحرونوت»، يصف مراسل الصحيفة في واشنطن، إسحاق بن حورين، الخروج الأميركي من العراق بأنه يحصل «وذيل الجيش الأميركي بين قدميه»، في دلالة على الفرار. ويكتب أنه «بعد مرور تسعة أعوام على حفلة إعلان الانتصار التي أجراها جورج بوش بعد الغزو الصاخب للعراق بإخراج هوليوودي، يخرج الأميركيون اليوم، في نهاية 2011، من العراق وذيلهم بين أرجلهم، أكثر ضعفاً ومع 4474 قتيلاً».
وإذ يرى أنه «بات واضحاً بنحو كامل كم كانت الحرب في العراق غبية»، يقارن الكاتب بين ما فعله بوش والطريقة التي يقارب بها أوباما نهاية الحرب، فيلفت إلى أنّ الأخير «يرفض الإعلان الاحتفالي عن استكمال المهمة، ويفضل عوضاً عن ذلك التقدم من الشعب الأميركي ببشرى وفائه بوعده الانتخابي بشأن إنهاء التورط الأميركي في العراق، وذلك طمعاً في أن يثير ذلك مشاعر قواعده الانتخابية ويخرجهم من لا مبالاتهم». ويشير بن حورين إلى أنّ أوباما، على الرغم من كل شيء، لم يكن يريد أن يجري الانسحاب بهذا الشكل، وكان يأمل أن يُبقي آلاف الجنود لضمان المصالح الأميركية. وإذ لم يتمكن من ذلك، فإن خروج الجيش الأميركي «سيُخلي الأرض لإيران ويسمح لها بزيادة نفوذها في الدولة المجاورة». ويخلص الى أنه «هكذا انتهت حرب لا طائل منها كسرت توازن الرعب الإقليمي بين العراق وإيران ومنحت الجمهورية الإسلامية مكانة الامتياز الإقليمي».