تحقيق | في حديث الهجرة وطرق الوصول إلى أوروبا، هناك الكثير من الشجن والقيل والقال عن المؤامرة الكونية على الفلسطينيين، وعن اخراجهم من دول الطوق، وهو ما يتفوه به العديد من المسؤولين الفلسطينيين كلما سنحت لهم الفرصة للتعبير عن "وطنيتهم" غير المشكوك فيها، ولا بقدرتها على لم الشمل الفلسطيني..

تتفاوت ظروف البشر العاديين في الأماكن العادية في العالم، لكن في المخيمات الفلسطينية في لبنان وسوريا (الآن) كل شيء ليس عاديا، ولا يمكن أن تقارن ظروف المقهورين (اللاجئين) داخل الأزقة المغلقة على الظلام والبؤس واحتمالات القهر شبه الدائمة، باي من اشقاء حالهم. ظروف قد تجعل الموت ممكنا، الان هنا، برصاصة طاشت من سلاح شباب "المقاومة" داخل المخيمات، الذين لا نعرف اليوم إن كان على أتم الاستعداد .. للمقاومة، كما كانت عليه الحال قبل ثلاثة عقود، يوم كان للسلاح معنى الحقيقة في مواجهة "إسرائيل" وجيشها..
بعض اللاجئين في مخيمات لبنان لجأ لبيع منزله مأوى أسرته لتأمين المال اللازم لرحلة الهجرة نحو مكان يعتقد أنه أفضل، ولكن في الطريق إلى هناك (غالبا أوروبا) الكثير من المخاطر. بعضها قد يكون ثمنه الموت غرقا أو بردا إذا ما أخذ طريق البر الذي يوفر المال، عبر اليونان ثم مقدونيا (التي اعلنت حالة الطواريء ضدهم بعد اقتحام الحدود امس) وصولا لهنغاريا وبعدها إلى ألمانيا أو أي دولة أوروبية أخرى.

أيمن مرعي النازح الفلسطيني من سوريا إلى مخيم شاتيلا، هو نموذج على سبيل المثال لا الحصر. هو من أبناء مخيم شاتيلا، وقد باع منزله، لكن الظروف لم تكن لمصلحتة في خطوته المغامرة للهجرة، فباءت محاولته بالفشل، وبدلا من أن يبقى في منزل مالكاً، بات اليوم مستأجرا.
يقول أيمن وملامح الحزن والمرارة تبدو على وجهه، إن الوضع المعيشي السيّئ وعدم الاحساس بالأمان لأولاده، دفعاه للتفكير في هذه الخطوة المغامرة. فحالما تنتهي قصة تخلق أمامه مشكلة جديدة، كما يقول ولن يكون آخرها الكلام عن انهاء الأونروا لدعمها للاجئين، والاحتمال الذي كان بتأجيل العام الدراسي، بسبب العجز المالي الذي تعانيه الوكالة.
أيمن يفكر بطرق تبدو غريبة نوعاً ما للهجرة، ويريد أن يهاجر على نحو قانوني، ففكرته التي قالها لنا، هي أنه قد يذهب لاحدى السفارات مع أسرته، ويعتصم فيها الى ان يخرج إما مهاجرا وإما.. قتيلا! يعصر جبينه باصابعه ثم ينظر الينا ويقول: "كل إشي ضاع".
يقول أهالي المخيمات إن سيدة أربعينية تدعى جميلة هي التي تؤمن لهم الطرق للخروج من لبنان، ويزعمون أنها مدعومة من أحد المسؤولين، وتحديدا أمن الدولة اللبناني! هم يذهبون اليها ولأمثالها ممن يدعون أن بإمكانهم تأمين الطرق إلى المهجر، ومؤخرا أصبحوا يلجأون إلى الهروب من لبنان عبر ميناء طرابلس، كما روى بعض المقربين، وفي الأحوال الجيدة ماليا، قد يتمكن البعض من الخروج عن طريق مطار بيروت، نحو تركيا أو السودان وصولا إلى ليبيا، لإكمال الطريق بحرا إلى إيطاليا. لتبدأ من هناك رحلة أخرى نحو "الدولة الأفضل" بحسب الشائعات المتداولة من هنا وهناك، فهولندا برأي البعض هي الأفضل، ومنهم من يعد ألمانيا أو السويد أفضل من الدنمارك، ولكل أسبابه، وبالطبع ليس لدى أحدهم ما يستند إليه، وما يدفعهم فقط هو اليأس.
أحد اللاجئين في مخيم شاتيلا رأى أن الفصائل غير القادرة على تحسين الأحوال وضبط الأوضاع الأمنية في مخيمات، قد لا تتجاوز مساحة بعضها كيلومتر واحد، مسؤولة بالضرورة عن هذا الواقع، وعن رغبة الناس في الهجرة. وأضاف لاجئ آخر يسكن في زقاق معتم داخل المخيم، أن الأونروا ليست بريئة أيضا من هذا الحال، الذي وصل إليه معظم أهالي المخيمات، سواء بقصة التعليم التي حسمت للعام الدراسي المقبل فقط، أو على المستوى الصحي، الذي حالما خفت موضوع التعليم بدأ الحديث عن تقليصات في قطاع الصحة.
في المقابل أبدى أحد اللاجئين رأيه في الهجرة، وعارض من يحاولون ترك المخيم، من الباب الوطني، إلا أنه لم يغيّب الوضع السيّئ للاجئين في المخيمات، ورأى آخر كان يقف معه أنه لو هاجر مع أسرته، فهذا أمر لن يجعله ينسى قضيته، بل على العكس، رأى أن وجوده في مكان مريح يؤمن له حياة كريمة، سينعكس ايجابا على عمله لأجل فلسطين..
في مخيم الرشيدية، الظروف لا تختلف كثيرا، كذلك آراء اللاجئين هناك؛ فؤاد محمد ابن المخيم الأقرب إلى فلسطين في لبنان، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة، يقول إنه مستعد لبيع كل ما يملك، ليهاجر هو وأسرته إلى بلد أوروبي يحترم ظرفه ووضعه، ويرجع فؤاد سبب وصوله إلى مرحلة اليأس هذه، التي كانت بادية جدا على وجهه، للظروف التي يعيشها هو وبقية اللاجئين في المخيمات..
وبرغم وضع الاعاقة الذي يعانيه فؤاد، وقناعته تقريبا بأنه قد لا يصل لو اتخذ طريق الهجرة، ويقول إنه لو ذهب في سفينة، وانقلبت، فأغلب الظن أنه لن ينجو كما يقول "الجهاز اللي برجلي هاد بيغرِقني، يعني وزن حديد"، برغم كل هذا فؤاد مستعد للمغامرة والذهاب بعيدا نحو "حياة هنية".
ليست بأحسن حال من فؤاد معيشيا، لمياء ابنة مخيم الرشيدية، يبحث أولادها عن عمل، وبرغم علمهم وشهاداتهم التي يحملونها، إلا أنهم لم يجدوا عملا، وتتحدث عن مهندسين يعملون "عتالين" في الحسبة، وأطباء يمنع عليهم فتح عيادات خارج المخيم، بالتالي يصبحون بلا عمل، أو يعملون أي عمل لا يليق ولا يتناسب مع جهد سنين من الدراسة..
لمياء عرضت بيتها للبيع كي تهاجر مع أولادها، ومثل غيرها تتمنى الحصول على هجرة بطريقة شرعية..
بعض اللاجئين في المخيمات، عرجوا أيضا في حديثهم على ظروف تعيشها المخيمات الفلسطينية، كوجود الحواجز عند أبواب المخيمات، وكأنهم في حالة اتهام دائم، ويسألون لماذا، والشباب قالوا أيضا كما الأهل، لماذا لا يسمح لنا العمل، والقانون اللبناني يرفضنا رغم الكفاءات الكثيرة المتوافرة، التي ستخدم سوق العمل اللبناني.
في المخيمات لم يكن هناك ما يجعل للأمل مكانا، لا أمل للاجئين سوى أن تتدخل الفصائل الفلسطينية، هذه المرة ليس لإلقاء خطاب بالوطنية وضرورة الصمود واحتمال الظروف، ولكن للعمل على جعل المخيم مكانا يحيا فيه الناس، لا مكانا مدعوون فيه للموت هم وأولادهم كل يوم ولو كان الموت مجازا، وإلا فلن يبقى للاجئين الفلسطينيين سوى العبور إلى فلسطين عبر العواصم الأوروبية، فيبدو أن برلين وستوكهولم وسواهما أقرب إلى القدس من باقي العواصم، على الأقل ريثما تنتهي العواصم العربية من مقاضاة الشر فيها..