إدلب | محافظة الزيتون السوري لطالما لقبت بالخضراء قبل أن يضرجها اللون الأحمر ويقهر زيتونها الرصاص بدءاً من حزيران، حين سقط مئات الضحايا بين مدنيين وعسكريين، منهم نحو 170 عنصر استخبارات عسكرية سقطوا خلال 48 ساعة في مجازر بجسر الشغور تضاربت الروايات حول كيفية مقتلهم. وفيما يؤكد مصدر مطلع لـ«الأخبار» أن غالبية الضحايا في إدلب، التي يبلغ عدد سكانها أقل من 50 ألف نسمة، من الجيش سقطوا بـ«رصاص الغدر والفتنة» والآخرون «من المسلحين حصراً أو من ضحاياهم المدنيين»، يؤكد مثقف معارض أن الضحايا بغالبيتهم من المتظاهرين السلميين، نافياً أي علاقة أو مسؤولية للثورة في ما يحصل بين الجيش والمنشقين عنه الرافضين لإطلاق النار على التظاهرات.

في إدلب، المرور عبر حواجز المسلحين والأمن والجيش كان سلساً برفقة شاب من المدينة، التي تململت من الإضراب. فتجارها يجسّون نبض المسلحين ويتسربون شيئاً فشيئاً لفتح محالهم مجدداً. هناك يهمسون سراً ضد الممارسات الجديدة. عبدو صاحب محل موبايلات قال «تكفي رشقة من بارودة لجعل سوق بأكمله يغلق خلال دقائق، لا أنكر أن للمعارضين وزناً كبيراً بين الشعب هنا. ولكن بدون التهديد بالرصاص والحرق، الإغلاق لن يكون أكثر من أيام معدودة».
وينهي انتقاداته لدعاة الإضراب بالقول «يبدو أننا هربنا من دلف النظام إلى مزراب الثائرين عليه، كله يفرض علينا فرضاً، ونحن لا حول لنا ولا قوة. كنا ندفع لموظف الدولة ليتغاضى عن مخالفاتنا، فصرنا ندفع للمسلح لكي يكف أذاه عنا».
في منزله، يقول الشاب غياث «الإضراب كما ترى عام وشامل، انتظرنا أربعين سنة الخلاص من حكم آل الأسد وحزبهم، نحن نريد دولة مدنية للجميع، مثل لبنان والعراق وليبيا ومصر وتونس، نريد الانتهاء من عصر الحزب الواحد، عبر العصيان المدني السلمي».
غياث يصرّ على أنه لا يؤيد حزباً بعينه «لست حزبياً، المهم إسقاط النظام، والاطمئنان إلى عدم ملاحقتنا، وبعدها سترى عشرات الأحزاب في سوريا مثل مصر وتونس». إلا أن الشاب يقرّ بأن طريق اسقاط النظام طويل جداً، قبل أن يضيف «نحن بحاجة إلى حماية دولية كمدنيين، لأن النظام يقتلنا، ويمنعنا من التظاهر السلمي ويعتقلنا ويعتقل الأطباء الذين يعالجوننا، وآخرهم الطبيب الشهيد إبراهيم عثمان».
شرارة انطلاق الاحتجاجات في المدينة يعيدها مرافقنا إلى سقوط الطالب الجامعي محمد السيد عيسى في مدينة إدلب على باب جامع سعد بن أبي وقاص، لافتاً إلى أن الحادث أذن ببداية دخول مدينة إدلب موجة الاحتجاجات المندلعة في ريفها قبل أكثر من شهرين.
وبينما لم تنفك رواية السلطة تكرر لازمة العصابات المسلحة عند الحديث عن سقوط الضحايا، انتهى الأمر إلى اتفاق «جنتلمان» بين المحافظ وبين «لجنة حكماء» ينص على التظاهر السلمي بعيداً عن مراكز السلطة والمنشآت العامة. اتفاق تم الالتزام به من قبل الطرفين، وأسبوعاً بعد آخر تناقص عدد المحتجين وفق رواية المرافق. أما سبب التناقص فلخصه بالقول «لأن الجهلة والزعران فرضوا منطقهم، وأزاحوا المثقفين والناشطين». وأضاف «قُتل أبرياء في إطلاق النار الذي حصل عند مهاجمة مبنى المحافظة والمحكمة العسكرية، وتم تصوير جثة سيدة زعموا قتلها برصاص الأمن ثم ظهر زوجها على التلفزيون السوري ليؤكد أن مسلحين قتلوا زوجته قصداً بهدف تصويرها وبيع المقطع للجزيرة، هذا هو الجحيم الذي نعيشه».
الكلام السابق لا يروق لمستضيفنا، وهو الصديق الشخصي لمرافقنا، فيرتفع سقف النقاش «وضرورة قول ما لك وما عليك من أجل الصدقية».

آراء النخبة

زهير، وهو طبيب، رأى أن «الاحتجاجات في إدلب اشترك فيها مثقفون وواعون وانتهت إلى سيطرة أجهل شرائح المجتمع عليها، بالاشتراك مع أرباب السوابق، وكثير من المتشددين دينياً». بدوره، رأى ناشط معارض أن «قمع السلطة للسياسيين ترك الساحة خلواً للجهلاء، الذين لم تحتمل عقولهم أن يسيطروا على الشارع فمارسوا أبشع الممارسات باسم الثورة، وهم يجبرون الناس على الإضراب، ووجدوا الفرصة سانحة لجمع المال باسمها، وللسطو على العابرين».
من جهته، ينفي محمد، وهو محام، بشدة وجود أي مؤامرة على سوريا، محملاً «السلطة المسؤولية كاملة ووحدها لأن تأخرها في الإصلاح هو من أوصل الأمور إلى هذه النقطة الحرجة»، مضيفاً «في الحقيقة ضاع حبل الأمن، وهذا هو هدف النظام: أن يأتي الناس إليه راكعين طالبين التدخل لفرض الأمن». أما الحل فاختصره بالقول «أعتقد أن المصالحة الوطنية وتنحّي الرئيس هما الحل الوحيد قبل إقامة المنطقة العازلة، وتوسع انشقاقات الجيش الذي استخدمه الرئيس في قمع التظاهرات»، وذلك بعدما قال إن دماء السوريين تهدر في معركة لا طائل منها. ويضيف «الحرية قدر المنطقة بعد عقود من الاستبداد برعاية أميركية، وعلى النظام الكف عن بيع الوطنيات بمواجهة أميركا، فشباب إدلب قدموا عشرات الشهداء في العراق والمئات منهم جاهدوا فيه».
أما محمد غزال، وهو يساري، فقال إن المشهد الملتبس يعود إلى الضخ الإعلامي المعادي، موضحاً أنه «منذ بداية الأزمة كان واضحاً أن اليد الأجنبية وأدواتها المحلية ضالعة في توتير الأجواء». وخلص إلى القول «الإخوان المسلمون في الخارج والمتشددون هم المسيطرون، ولتعويض عدم وجود مسلحين لديهم، سوى قلة من المقاتلين العائدين من العراق، قاموا بتجنيد أرباب السوابق».

العرعور

للشيخ عدنان العرعور شعبية جارفة في إدلب، مقاطع مصورة له يتناقلها الشبان بكثير من الحماسة، كلامه منزل لديهم. يقول رضوان خطيب، وهو شاب جامعي، «هو شيخنا الصادق والثوري، منذ البداية معنا، وهو صوتنا ويعرض الحقائق ويفضح نظام بشار الكافر الذي باع سوريا لإيران وحزب الله». ويؤكد رضوان أن الحرية هي «مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية»، وتم «تغييب ذلك وتشويه الإسلام بأنه دين الحرب فقط وأن السلفية هي تكفيرية».
بدوره، يقول صديقه فياض، القادم من جبل الزاوية، إن «الإسلام سينتصر في النهاية، ونحن لسنا طائفيين، وأهل الكتاب نحترمهم، ولا خوف على الأقليات كما يزعم نظام بشار، لكن عليهم أن يتوقفوا عن دعمه لأنهم يضرون أنفسهم، وسيندمون».
من جهةٍ ثانية، ينكر فياض وجود مسلحين ويؤكد الطابع السلمي للتظاهرات قبل أن ينبّهه رضوان إلى أنه وجد منشقّين من الجيش يحمون التظاهرات فيوضح «لا يوجد جيش يقتل شعبه إلا في سوريا، ولكن الشرفاء ينشقون عنه».
تظاهرات ريف إدلب لم تترك صورة للرئيس السوري بشار الأسد ولوالده الراحل دون تمزيق، قبل مقتل أي شخص في المحافظة. كذلك تعرضت بعض المخافر للحرق وسرقة أسلحتها. وهو الأمر الذي تكرر بعد انسحاب الأمن من بعض المناطق، ليشمل الحرق منشآت عامة أخرى.
سامي، من كفر عميم شمال شرق المعرة، قال «بدأت الثورة وقاموا بحرق مقر الحزب والمستوصف، أنا ضد الحرق، لكن لا يمكن ضبط الناس، والمستوصف حرقوه لأنهم لا يستفيدون منه والطبيب يأتي لنصف ساعة، ولا يوجد دواء كاف».
الاحتجاجات الريفية اتسعت في أيار ولم تتمكن القوى الأمنية من قمعها، فرجال السلطة هناك كانوا على تماس يومي وصداقة مع أبنائها، ولا يمكنهم استخدام أي مستوى من العنف، فانطلقت التظاهرات وأصبحت أمراً واقعاً، مزقت صور الرئيس بشار والرئيس الراحل حافظ الأسد وأنزلتها عن المقار الرسمية والشعَب الحزبية.
كان صعباً اللقاء مع منشقّ واحد في إدلب، رغم أن المسلحين يرتدون زياً شبيهاً بزي العسكريين السوريين. يقول مرافقنا الجديد، ابن المعرة الواقعة على أوتوستراد حلب دمشق، «يوجد منشقون من أبناء المنطقة لكنهم قلة، لا نعرف كيف يظهر المسلحون بأعداد كبيرة وبأسلحة خفيفة، بتنا نشاهد رشاشات منصوبة على سيارات بيك أب ويلبسون نفس زي الجيش، التمييز أصبح صعباً». ويضيف «أبناء المعرة مثقفون ومتعلمون وهم مع التظاهر السلمي، لكن أبناء القرى المحيطة المتشددون والجهلة هم من خرّب التظاهرات وانضم إليهم بعض أبناء المعرة».
يفتخر الشاب بالمعرة ويقول «حتى الرئيس بشار وجه تحية لنا في خطابه في جامعة دمشق لأننا أنقذنا عناصر الأمن والشرطة عندما حاصرهم المسلحون، وساهمنا في حماية مستودعات استراتيجية للوقود قريبة من المعرة».
إلا أن رواية السلطة حول دخول مغرضين ومتشددين على خط الاحتجاجات قوبل باستهجان المعارضة ومؤيدي الثورة، الذين أكدوا سلميتها، وهم عاجزون عن تفسير مقتل 1100 من الجيش والأمن والشرطة وفق إحصائية مضى عليها شهران.
سالم، وهو من كفرنبل، زودنا بتسجيل مصور عن «ثوار» بلدة كنصفرة، حيث أحرقت شعبة حزب البعث العربي الاشتراكي. فأشار إلى أنه تم حرقها واعتلى سطحها عشرات المسلحين المدججين بالسلاح، واللافت أن بعضهم كان يرتدي زياً عسكرياً وشارات عسكرية قديمة، توحي بأنه ليس عاملاً في الجيش وربما كان مسرّحاً قبل سنوات طويلة. ولفت سالم «يوجد عدد كبير من المسلحين قدموا من كل المناطق إلى كنصفرة من المعرة وكفرنبل وغيرها، ليسوا منشقين ولا علاقة لهم بالجيش».
أمر اضافي يتحدث عنه سالم، مشيراً إلى أنه «يوجد أكثر من 25 شاباً في بلدتنا هم مجندون لكنهم يلزمون بيوتهم، جرى تهديدهم بالقتل إن التحقوا بقطعاتهم، منهم من التحق بوحدته العسكرية، مدركاً أنه لن يعود إلينا إلا مع القضاء على المسلحين». وأضاف «الشباب بين نارين، نار عقوبة الفرار، ونار الثوار ومطالبهم بحمل السلاح ضد الجيش».
ينهي سالم كلامه بالتأكيد أن «الأوضاع لا تطاق، ليس هذا ما حلمنا به». ويضيف «أنا خرجت في تظاهرات معرة النعمان، وكانت سلمية ولم تطلق علينا الشرطة أو الأمن الرصاص، كل يوم جمعة كنا نقطع الطريق العام لعدة ساعات وفي النهاية وقع الصدام وظهر مئات المسلحين فلزمت بيتي».
عبد الكريم، الشاب الجامعي، روى قصة صديقه طالب الطب في جامعة حلب، الذي منعه والده من النزول إلى حلب التزاماً بدعوة إضراب سابقة لإضراب الكرامة الحالي. وأشار إلى أن القصة مشهورة في المعرة، فالأب لم يكتف بتغييب نجله عن الجامعة قصراً بل «حاول أن يفرض الإضراب على شقيقه الصائغ الذي رفض فأرسل له من حطم المحل، وهذا تكرر مع الصيدلي والتاجر وفئات كثيرة».
ويؤكد عبد الكريم أن «نسبة التأييد للاحتجاجات في المعرة هي ثلاثة أرباع مقابل ربع للسلطة، لكن مع انتشار العصابات المسلحة باسم الثورة تراجع تأييد الاحتجاج، وهذا لا يعني أنهم أصبحوا مع السلطة؛ الناس يريدون التغيير والحرية ومحاسبة الفاسدين وتطوير الدولة، ولا يريدون هدمها ولكن لم تعد هنالك حماسة للتظاهرات».
من جهته، يروي ناشط في الحزب السوري القومي الاجتماعي بعض ما تعرض له عدد من مؤيدي الحزب، لافتاً إلى أن «أربعة شهداء سقطوا اغتيالاً من حزبنا، بعضهم خطف وعُذّب ونُكل به قبل قتله». ويوضح «أن الاغتيال بدأ بمنفذ عام إدلب الشهيد الدكتور عصام قناطري في صيدليته، القتلة تبين أنهم من المعرة نفسها، ساهم الشهيد بإطلاق سراح أقاربهم الذين تورطوا بحمل السلاح ومهاجمة مفارز الأمن». يضيف الناشط «لقد غدروه، وقتلوه تنفيذاً لمخطط خياني تقف خلفه أميركا وإسرائيل للقضاء على الفكر المقاوم والعصري، يريدون لسوريا أن تصبح أفغانستان».




«روبن هود»

يقوم بعض «الثوار»، وهم خليط غير متجانس من شرائح طبقية واجتماعية وثقافية مختلفة، بالسطو المسلح على أموال عامة لاستخدامها في حركتهم. لكن الأمر يثير المؤيدين الذين يمارسون «تقية» في ظل سيطرة مسلحي المعارضة على الشارع. عبد الهادي، وهو من حارم، قال «يسرقون المازوت الذي ترسله الدولة للقرى دون تمييز بين موالاة ومعارضة، ويبيعونه بسعر 16 ليرة بزيادة ليرة فقط عن سعره الرسمي، ويقولون لك الليرة الزيادة على السعر هي للثورة، كلامهم يمر على البسطاء، الذين لا يسألونهم وماذا عن الـ15 ليرة، في جيب من منكم ستضعونها؟ إنهم لصوص يضحكون على الناس».
متظاهر «سابق» قال «شاركت في بداية حزيران في منطقتنا بأداء قسم للحفاظ على الثورة السلمية والدفاع عن الأرض والعرض، لوّحنا بأغصان الزيتون لكن في نفس الوقت أحسست بأن هنالك من يريد عمل شيء غلط، وفي اليوم التالي بدأت الهجمات على مراكز الدولة».
وأضاف «أعرف كيف سنحافظ على السلمية، لكن بماذا سندافع عن الأرض والعرض؟ وهي كلمة تقال للمحتلين فقط».