القاهرة |‎مسار إجباري يختاره ثوار مصر الأوائل الذين خرجوا يوم «25 يناير». موعد جديد. تختلف مسمياته: مليونية حرائر مصر أو جمعة ردّ الشرف. لكنها تتفق على الفاعل (المجلس العسكري) الذي انتهك عرض فتيات مصر وقتل شهداءها بذراع ميليشياته المسلّحة في حروب مجلس الوزراء، وشارعي قصر العيني والشيخ ريحان.


قاعة الامتحان الأولى، ميدان التحرير، هي نفسها هذه المرّة. هل هو التاريخ يعيد نفسه؟ الإجابة بالنفي. لكن إن فعلها، فمع الأغبياء فقط؛ فالإسلاميون (وهم لم يشاركوا أصلاً في فصول الثورة الأولى)، الذين يقاتلون في معارك الصناديق، يتحدثون بلسان المجلس العسكري، ويرفضون المشاركة في مليونية اليوم، حرصاً على «هيبة الدولة»، وخاطر العسكر الذين لن يمنحوهم سلطة يحلمون بقطفها.
مصر الثورة عينها اليوم على المليونية، والغالبية الصامتة لم تذهب إلى الاقتراع في ثاني يوم لجولة الإعادة في المرحلة الثانية للانتخابات. المجلس العسكري، الذي حذر بنحو مبطن أول من أمس، من أنّ مصر ستحترق يوم «25 يناير» في ذكرى الثورة، متوعداً بالرد على من زعم أنهم يريدون «إسقاط هيبة الدولة ومنح الفرصة لتدخل أجنبي»، يردّ عليه الثوار اليوم، ببروفة أولى ليوم «25 يناير».
بروفة «حشرت» المجلس، فخرج مرتبكاً في بيان «91»، قال فيه «يهيب المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالجميع مراعاة دقة المرحلة التي تمر بها مصر عند تناول مسائل تمس الشأن العام أو الأحداث الجارية»، مؤكّداً أن «وجهة نظره الرسمية تطرح من خلال بيانات رسمية أو من خلال صفحته الرسمية على موقع فايسبوك». حاول بذلك أن يتنصل من حاشيته، مشيراً في بيانه الى أن «الفترة الأخيرة شهدت تصريحات متزايدة من قبل بعض المعلقين السياسيين والاستراتيجيين بشأن الأحداث التي شهدتها مصر، والتي أثارت ردود فعل سلبية في الداخل والخارج، رغم تأكيدنا أن هذه الآراء تعبر عن وجهة نظر ورأي شخصي، ولا تعكس الرأي الرسمي».
أما الإسلاميون، الإخوان والجماعة والسلفيون، فأكدوا من خلال موقفهم هذا رسوبهم في امتحان الثورة الجديد. قرروا عدم النزول الى ميدان التحرير في جمعة «رد شرف» فتيات مصر، فيما يحتشد آلاف ينتمون لأكثر من 40 حركة وحزباً سياسياً وائتلافاً ومنظمة حقوقية، ونسائية، في التحرير للتعبير عن رفضهم لممارسات العسكر.
وسيؤدي المتظاهرون صلاة الغائب على أرواح شهداء الثورة، يليه كورال قبطي لتأبين الشهداء. ترفع المليونية اليوم شعارات تدعو العسكر إلى الرحيل عن السلطة، وتطالب بوقف جرائم العسكر، والإفراج عن كل المعتقلين على خلفية الأحداث، وتشكيل لجنة تقصي حقائق وتقديم كل المجرمين فيها الى محاكمة عاجلة وعادلة. وهناك مطالب أخرى تتمثل في إلغاء انتخابات مجلس الشورى، واجراء الانتخابات الرئاسية فور انتهاء الانتخابات البرلمانية.
الإسلاميون، المشغولون بغزوة الانتخابات، غير مهتمين لموقعة الشرف في الميدان. الخيمة التي يتحلقون حولها هي «هيبة الدولة». يردّدون نفس مزاعم المجلس العسكري. وقد برّرت جماعة الاخوان المسلمين في بيان لها أن «الفترة الحالية تحتاج الى الاستقرار من أجل الاسراع في المسيرة الديموقراطية لنقل السلطة الى سلطة مدنية منتخبة». بيان خجول طالب المجلس العسكري بتقديم اعتذار صريح عن سحل الفتيات «كفيل بتهدئة الخواطر».
الجماعة الإسلامية أصدرت بدورها بياناً أكدت فيه أنها لن تشارك بمليونية الثورة، وقالت في بيان عنوانه «لا لجمعة اسقاط الدولة» إن «الشعب ماض في خياراته عبر صناديق الاقتراع التي تنشئ دولة، وليس عبر تظاهرات تريد إسقاط الدولة. هذه التظاهرات تهييجية». وباسم حزب النور السلفي، دعا هشام أبو النصر المصريين الى عدم النزول، قائلاً «هناك قانون يُرجع حق الفتيات، لكننا لن نشارك في مليونية الشماريخ».
من جهته، بدا رئيس الوزراء ، كمال الجنزوري، في مؤتمره الصحافي أمس، كمن يتفرج على الأحداث؛ فطالب «كافة القوى السياسية والشبابية بالتكاتف مع الحكومة لفترة ما حتى تخرج مصر الى بر الأمان ويتم استعادة الأمن»، داعياً القوى إلى «نسيان ما فات ليتابعوا الى الأمام. ولا يعني نسيان ما فات وعدم محاسبة من أخطأ لأن كل من أخطأ سيعاقب ويحاسب».
وفي سياق الانتخابات، لم يطرأ أي جديد أمس على مشهد اليوم الثاني لجولة الإعادة بالمرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية. تجاوزات مستمرة، خصوصاً الدعاية الدينية الانتخابية من جانب الإخوان والسلفيين داخل اللجان، وتأخر فتح اللجان أبوابها أمام الناخبين. غير أن السمة الأبرز كانت هي الضعف الشديد في الإقبال، في المحافظات التسع التي تجري فيها جولة الإعادة لـ118 مرشحاً على 59 مقعداً، في الدوائر الفردىة. فيما تجري انتخابات القوائم في الدائرة الأولى في المنوفية، والدائرة الثانية في البحيرة وسوهاج.
ويربط مراقبون بين أجواء الحرب الدائرة بين الثوار والجيش وضعف الإقبال. وقالت غرفة حزب «الحرية والعدالة» (الإخواني) إن نسبة الإقبال ليست كبيرة، وأنها بلغت20 في المئة فقط، فيما قالت غرفة حزب «النور» السلفي إنها قاربت 70 في المئة من نسبة المشاركين في المرحلة الأولى من الانتخابات.
في هذه الأثناء، أعلنت وزارة الصحة أن المواجهات التي دارت في القاهرة خلال الأيام الماضية أسفرت عن وقوع 17 قتيلاً، بعد وفاة شخصين متأثرين بجروحهما أمس. وأضاف وكيل الوزارة هشام شيحة أن «إجمالي الحالات المتبقية فى مستشفيات وزارة الصحة والتي لا تزال تتلقى العلاج حتى الآن يبلغ 46 حالة بخلاف الحالات التي لا تزال تتلقى العلاج في مستشفيات الشرطة والقوات المسلحة» والتي لم يحدد عددها.