النظر من اكبر ثقب بين احجار سور القصر العيني يلخّص المشهد الذي يقرب مصر الآن من جمهوريات الموز في اميركا اللاتينية. الموز المصري ملامحه مختلفة، تترنح الجمهورية كلها تحت إيقاع الكر والفر في ميدان التحرير، الاسوار الحجرية اختراع عسكري تماماً، أغلقت به شارعين، وحولت به الميدان الى ساحة بين الرعب والعبث. من الثقب ترى خلف السور الحجري اسلاكاً شائكة، ثم مساحات مردومة بحجارة من بقايا معارك الايام السابقة، ثم سلكاً شائكاً، وفرق جيش بالخوذ والدروع. المشهد على امتداده كابوسي في قلب القاهرة، تؤكده رائحة الدم وعلامات الشهداء، ورسومات الغرافيتي، وأطلال المجمع العلمي ودخان حرائق في نزعاتها الاخيرة. يقف شاب بالقرب من السور، يروي كيف سقط زميله، واطفال يحاولون التسلق ويعتلون السور في لحظة تحد للقوات المتحفزة، المرعوبة والمرعبة.


هم في حرب، خلف كل سور حجري خندق يدافعون به عن هندسة القمع في مواجهة هندسة الحرية. الثورة حررت الشوارع، والجيش أغلقها بالاسوار، والحياة لا تتوقف حول منطقة المعارك، والزوار لا ينقطعون في ساعات الهدنة، والثوار لا يغادرون الساحة الا ليتخذوا ساتراً في ساعات الغدر الليلية حين تطفأ انوار الميدان وتخرج امواج الجنود للبحث عن فريسة جديدة.
الغزوات الليلية تحصد شهداء ومعتقلين جدداً، وتبني مناعة لدى ثوار تشحنهم المعارك، وتجعلهم أقوى، خاصة بعدما امتدت شرارة الثورة الى اسراب من المهمشين، منحتهم الثورة معنى لوجودهم، ومنحوها جسارة وفدائية تفوق الخيال.
تسمع دبيب المدينة في ساعات الليل، همهمات الجنود وهم يستعدون للهجوم، وضجيج البلطجية وهم يخرجون من مخابئهم تحت امرة ضباط المباحث الذين استعادوا سلطتهم للدفاع عن «سلطة الامن». وضربات الثوار على الاعمدة المعدنية تتجاوب مع طلقات رصاص لا يتوقف الا بصرخات الاستغاثة وطلب النجدة، والدراجات البخارية تنقل الجرحى والشهداء الى المستشفى الميداني.
المجتمع يرتب صفوفه لاول مرة بدون سلطة، في مواجهة سلطة حرمت المجتمع من قدرات التنظيم في كل شيء من السياسة الى حفلات الشوارع. المجتمع يستعيد الشارع ببعض العفوية والارتباك والعبث والجيش يجسد تحجره في نصب ضخمة.
ومثل اسلحة فاسدة، ظهر الكاطو من جديد، ليفضح هذه العقلية المتحجرة. هو اللواء عبد المنعم كاطو مستشار الشؤون المعنوية، وهو المقرب من المشير. كاطو قال: «دول شوية عيال صيع ويستحقون الحرق في أفران الغاز بتاع هتلر».
هذا الاعلان والتمجيد لأفران الغاز يستحق الاعتقال الفوري في بلاد تحترم الانسان وتعرف قيمة الحياة. لكنها لحظة تنتشر فيها رائحة الدم وشهوة السلطة، لا صوت يعلو فيها على صوت الدولة الامنية التي استنفرت كل عناصرها من قادة المجلس الى اصغر مخبر في شوارع مصر يعرف عناوين البلطجية ويقدر على جرجرتهم مثل المرتزقة لمواجهة الثوار.
الكاطو فضح المثل الاعلى لتفكير «العسكرتاريا» المصرية في مرحلتها الزرقاء، نسبة الى حمالة الصدر التي كشفتها «بسالة» جنود ميليشيا «المشير» عندما فتكوا بالفتاة المنقبة في شارع القصر العيني. الكاطو فسر مشهد الفتك بطريقته المدهشة: «الفتاة كانت تحمل مكبر صوت وتسب الضباط والجنود، وعندما توجهوا للقبض عليها قاومت الاعتقال وارتمت على الأرض، فأسقطها الجنود كي يتمكنوا من السيطرة عليها».
الكاطو يقدس المؤسسة اكثر من اي شيء، والقوات المسلحة بالنسبة إليه «تهاونت في حقوقها وتحملت ما لا تطيق من تجاوزات من هؤلاء الصبية المأجورين لضرب الجيش». الثوار دائما هم صبية، ومأجورون لأنهم ضد سلطة «دائما على حق»، ورثت تقاليد الدولة التسلطية بجدارة، وتريد اعادتها لكنها من دون كفاءة.
والثوار يكسرون حاجز الخوف من الموت، ويراهنون بحياتهم على مستقبل بلا جهاز امني غاشم ولا ضابط كل مهمته كسر الارادة والروح، ولا مستبد يحرك اجهزة الدولة كلها لتحمي استمراره على كرسيه.
المجلس العسكري اخرج اسلحته كلها، ليعيد هندسة المشهد الذي فشل تماما في السيطرة عليه، والالحاح الآن على فكرة المؤامرة التي تهدف الى هدم الدولة وفرض الحماية الدولية على مصر.
الرواية تعتمد على دراما مرعبة: هناك مخطط لهدم الدولة. والبحث جار عن ابطال للرواية: مصريون بالاتفاق مع عناصر خارجية. رواية منقولة بالحرف من تجارب دول فاشية وجربت في مصر عدة مرات، ولم تنقذ نظاماً، ولم تنجح في منع وصول الثورة الى اجيال وضعت في مغاسل المخ الضخمة.
الدولة الآن هي الأطلال التي بقيت من الجمهوريات الاستبدادية المتتابعة، بعدما تحوّل كل منها الى مبنى بلا معنى، او بمعنى يخدم على سلطة الديكتاتور، باختصار هي: مؤسسات فارغة، تدار بإشارة اصبع من الحاكم او اقطاعيات تدار لمصلحة الرئيس والنظام.
البرلمان مثلاً، لم يكن «سلطة تشريعية» مستقلة عن اصبع الرئيس، لكنه كان عبارة عن مسابقات لنيل حصة في اقطاعية البرلمان، احد التروس الاساسية لماكينة الاستبداد. ماذا بقي منها غير «مبنى تاريخي» رمزي؟
لا شيء سوى اطلال تحيطها اسوار غليظة، خلفها اسوار شائكة، وكتائب جنود لا يعرفون شيئاً عن الحرب التي يخوضونها يومياً. يتصور الضباط والجنود انهم في حرب مع اعداء، او كما تصورهم الروايات الرسمية، شياطين لتخريب مصر، لأن صاحب الرواية لا يريد سوى اعادة دولة الاطلال. دولة تخضع كلها لادارة المؤسسة الامنية.
الدفاع هنا عن المؤسسة الامنية وعن حجمها المتضخم لتصبح اكبر من الدولة. هذه هي الحرب فعلاً. ولا مانع فيها من حرق القاهرة، او تحزيمها بأسوار حجرية، من اجل نهاية الحلم بدولة مؤسسات حديثة لا سطوة فيها ولا تسلط.
الحرب ضد الثورة هدفها: استعادة دولة تتسلط فيها الاجهزة الامنية على كل شيء، لكن المخطط يتم بدون كفاءة، فيخسر المجلس، وتبقى فقط الجروح والآلام، لأنه لم يعد هناك مجال لتقبل عودة الدولة التسلطية، ولا يملك
المجلس العسكري ادوات فرض التسلط، لأن فاتورته باهظة وأذرعته السياسية والاجتماعية معطلة.
اسوار المجلس حول قلب القاهرة هي نصب تذكاري للفشل. وماذا يريد المجلس العسكري بعد كل هذه المحاولات الفاشلة لإعادة بناء ديكتاتورية جديدة؟