القاهرة | السلفيون يطبّعون. صدمة تلقاها أنصار حزب النور السلفي في مصر خلال اليومين الماضيين، بعد حوار صحافي للمتحدث باسم الحزب مع إذاعة الجيش الإسرائيلي الأربعاء، بينما يحاول قيادات الخروج من هذه الأزمة، ولو بالكذب. «الأخبار» حاولت الاتصال بقيادات الحزب، إلا أنهم رفضوا التعليق على الأمر، وردوا بإجابات مقتضبة أغلبها «لا تعليق»، و«الكلام يسأل عنه من قاله»، بينما أغلق عدد منهم هواتفهم رافضين التحدث في هذا الأمر. إلا أن مصادر في الحزب شددت على عدم ذكر اسمها، أكدت لـ«الأخبار» أنه يجري حالياً تحقيق داخلي لمعرفة ملابسات الحوار مع الإذاعة الإسرائيلية. المفارقة هنا أن من يتحدثون باسم الإسلام يرتكبون إحدى كبائره. إنهم يكذبون. يسري حماد، المتحدث باسم الحزب، الذي أجرى الحوار مع الإذاعة الإسرائيلية، قال في تصريحات صحافية أمس الخميس إنه لم يكن يعلم بهوية الصحافي، وأوضح: «أخبرني أنه صحافي عراقي. وعندما اكتشفت كذبه أثناء الحوار أغلقت الهاتف في وجهه فوراً». يسري يكذب؛ لأنه على مدار اليومين الماضيين صرّح في عدد من الفضائيات المصرية بأنه أجرى الحوار مع «صحافي إسرائيلي»، ونفى فقط أن يكون قد أجرى اتصالاً مع مسؤولين إسرائيليين.

وحاول الحزب غسل يده من تصريحات حماد، فأصدر بياناً نشره على موقعه الإلكتروني نسبه إلى محمد نور، باعتباره المتحدث الإعلامي لحزب النور، يقول فيه: «إن عدم التفريط في أي حق من الحقوق العربية هو ثابتة من ثوابت الحزب». ويضيف: «الحزب يرفض بنحو قاطع وكامل أي شكل من أشكال التطبيع مع الكيان الإسرائيلي»، مشيراً إلى أن «ما يُتداوَل في بعض الصحف لا يراد به إلا البلبلة والتشويه».
وفي بيان آخر للحزب، وزع على وسائل الإعلام، نفى الحزب إجراءه اتصالات مع إسرائيل، ورأى أن الأمر برمته محاولة لإلصاق تهمة العمالة بالأحزاب الإسلامية. وقال: «في خطوة لا تخلو من خبث صهيوني، سربت صحيفة هآرتس خبراً مفاده أن السفير الإسرائيلي الجديد في القاهرة يعقوب أميتاي تلقى توجيهات من مسؤوليه بالعمل على إقامة اتصال مع قادة الحركات الإسلامية، وهذه الاتصالات جرت سراً». وأضاف البيان: «إسرائيل بدأت تتفهم وتسلم بالواقع الجديد، وهو أن الإسلاميين سيكونون على قمة الهرم التشريعي في مصر، وبالتالي فهي تريد استبدال لغة التهديد والوعيد بلغة الحوار»، مشدداً بقوله: «لن نتقابل مع الإسرائيليين في هذا الوقت أو بعد ذلك، ولن نجلس مع السفير الإسرائيلي».
وكانت تلك الرسالة نفسها التي أراد إبلاغها رئيس الحزب الدكتور عماد عبد الغفور، الذي كتب على صفحته على الفايس بوك: «طبعاً، لم يجرِ أي اتصال معهم، وتلقيت عشرات المكالمات للاستفسار عن صحته». متهماً هو الآخر قوى ووسائل إعلام بمحاولة تشويه الحزب، وتساءل: «هل الهدف هو التشكيك في صدقية الأحزاب الإسلامية ووصمها بالعمالة؟ أم يريدون فعلاً فتح حوار؟».
قيادات أخرى في الحزب أكدت رواية إخفاء الصحافي لهويته، وقالوا إنه جرى «تضليلهم» واستغلت وسائل الإعلام ما أذيع وتحاول التشهير بالحزب الذي يثبت نجاحه في أول انتخابات برلمانية يخوضها.
الحزب، الذي يحتل المرتبة الثانية في عدد الأصوات والمقاعد بالبرلمان في المرحلتين الأولى والثانية للانتخابات البرلمانية، واجه بعد هذا الموقف انتقادات لاذعة من مختلف التيارات السياسية، بما فيها حزب الحرية والعدالة، الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، الذي رأى أن موقفه «مخزٍ»، وخاصة أنها تُعَدّ سابقة هي الأولى من نوعها، باعتبار أنه لم يدل أي قيادي في الأحزاب المصرية من قبل بأي حوار مع وسيلة إعلام إسرائيلية منذ توقيع الرئيس الراحل أنور السادات اتفاقية كامب دفيد 1979، وحتى الآن، ولم تقدم على هذه الخطوة الأحزاب التي تتهمها الأحزاب الإسلامية نفسها بوجود «علاقات بينها وبين الإسرائيليين».
وعلق حمدي حسن، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، على ما أقدم عليه حزب النور بأنه «تطبيع رسمي مع الكيان الصهيوني في وقت غير ملائم على الإطلاق». وقال إنها «جريمة سياسية لا تغتفر»، في حق الشعب المصري الذي يرفض التطبيع، وفي حق الشعب الفلسطيني الذي يموت كل يوم، «بل هي جريمة في حق الشعب العربي كله».
وفتح القيادي في جماعة الأخوان المسلمين النار على حزب النور السلفي في تصريحات صحافية له أمس، إذ اتهم السلفيين بأنهم «كانوا عملاء النظام السابق»، لافتاً إلى تقديمهم تنازلات عدة للنظام مقابل عدم المساس بهم، مبرهناً على ذلك بغياب السلفيين عن الساحة في أثناء الاعتداء على قطاع غزة: «كان الفلسطينيون يُذبحون بينما كان السلفيون يرددون بأنه لا علاقه لهم بالسياسة». ولم يستبعد حسن قيام حزب «النور» بأي تصرف مقابل مصالحه الضيقة؛ إذ «إنهم يتخذون مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وهذا ليس مبدأ إسلامياً على الإطلاق»، وطالبهم القيادي في جماعة الإخوان المسلمين بالاعتذار للشعب المصري الذي رفض التطبيع على المستوى الشعبي، بينما كان النظام السابق يستقبل الصهاينة ويطبع معهم».
إلى ذلك، رأى عدد من المراقبين أن حزب النور كشف عن وجهه الحقيقي، فهو لا يختلف شيئاً عن نظام مبارك بخصوص القضية الفلسطينية، مستدلين على ذلك بأن البرنامج الخاص بالحزب لم يتطرق إلى «ملف الصراع العربي الصهيوني وملف الحركة الوطنية المصرية في مقاومة التطبيع». وأضافوا أن ما حدث «خيانة للقضية الوطنية»، وخاصة أنها «سابقة فريدة من نوعها، حيث لم يسبق لأي تيار إسلامي في العالم من قبل الاعتراف بإسرائيل».