لم تأتِ قضية الاتهامات بالإرهاب الموجَّهة إلى نائب الرئيس طارق الهاشمي من سماء عراقية صافية، فالتوترات السياسية والاجتماعية كانت كثيرة ومتراكمة، ومع ذلك فقد بدت بنظر البعض أشبه بصاعقة هائلة صدمت الكثيرين بدويّها وحيثياتها. أوّل المفاجئين كان الرئيس جلال الطالباني الذي كان موجوداً ساعة الحدث في السليمانية، وليس في العاصمة الاتحادية كما تقتضي الحال، ثم بادر واستدعى نائبيه الهاشمي وخضير الخزاعي، ليجتمع بهما هناك.


الطالباني، في ردِّ فعله على الحدث، سجَّل أمرين مهمّين: خطورة الاعترافات التي أدلى بها ثلاثة من أفراد حماية الهاشمي أولاً، وخطأ إقدام أجهزة رئيس الحكومة نوري المالكي على عرض تلك الاعترافات في وسائل الإعلام الرسمية على عكس الاتفاق الذي قال الطالباني إنّ الأطراف توصّلت إليه، ما يؤثر على هيبة مؤسسة الرئاسة.
موقف آخر صدر عن التحالف الكردستاني يحمل الكثير من الإشارات؛ فبعد ساعات قليلة على المؤتمر الصحافي الذي عقده الهاشمي، وردّ فيه على الاتهامات الموجهة إليه مطالباً بنقل التحقيق والمحاكمة إلى إقليم كردستان بحضور ممثّلين عن الجامعة العربية واتحاد الحقوقيين العرب، خرج خالد شواني، القيادي في التحالف الكردستاني، ليرفض طلب الهاشمي على اساس وجوب أنْ تكون المحاكمة «في مكان وقوع الجريمة وهناك محكمة مركزية مختصة بالنظر في قضايا الإرهاب في بغداد». كذلك شدد شواني على خطورة الاعترافات التي أدلى بها أفراد حماية الهاشمي، في تلميح لا يخلو من دلالات معيّنة لا تدفع باتجاه التهدئة. وفي اليوم التالي، خرج قيادي كردي آخر، هو محما خليل، ليعلن أنّ «أمر القبض على الهاشمي ملزم واعترافات حمايته خطيرة وفيها تجاوزات على الشعب العراقي».
بدوره، كان أسوأ ما فعله الهاشمي نفسه، في ذلك النهار الصاخب والمتوتر، هو المؤتمر الصحافي الذي عقده حيث بدا متوتراً وشاحباً بشكل ملحوظ. حتى الأوراق الجيدة التي كانت بحوزته، كالتدخل الحكومي السيئ في شؤون القضاء، والفضائح المتعلقة بالفساد، لم يتمكن الهاشمي من إدارتها واستغلالها سياسياً نحو متناسق ومثمر.
أكثر من ذلك، يقول بعض المراقبين، لقد لجأ الهاشمي إلى أساليب عاطفية وفقيرة استراتيجياً وتعطي صورة معاكسة لما أراد هو تثبيته. ويأتي أصحاب هذا الرأي بمثال لجوئه إلى القسَم أمام الصحافيين بصيغة حرفية هي «والله الذي لا إله إلا هو، لم يرتكب الهاشمي عصياناً ولم يرتكب خطيئة بحقِّ دمٍّ عراقي لا أمس ولا غداً». كما أن مطالبته بنقل التحقيق والمحاكمة إلى الإقليم الشمالي كانت أقرب إلى المطلب التعجيزي، لأنه جعل بذلك السيادة الاتحادية للإقليم على حساب المركز.
أما قوله إن هناك أطرافاً خارجية طلبت منه «بعض الأمور» وهدّدته إنْ هو رفض تحقيقها بفتح ملفات خطيرة ضده كهذا الملف، هذا الزعم أضر أيضاً بالهاشمي، وجعل صدقيته معلقة بكشف تلك الأطراف وتلك «الأمور» التي طلبتها مع الأدلة الملموسة والموثقة، بحسب مراقبين كثُر. أما قوله بأن الاعترافات «مرتّبة سلفاً ومن السهل الطعن بها»، فيبقى مجرد وجهة نظر معلقة لأنها لو كانت فعلاً كذلك، لقام الهاشمي نفسه باغتنام المناسبة وطعن بالاعترافات أمام الرأي العام العراقي والعالمي في مؤتمر صحافي حرصت بعض القنوات، كقناة «العربية»، على نقلها مباشرة. أما اتهامه للقضاء العراقي بأنه «مُسيَّس وغير محايد ولا نزيه»، فكان موضع خلاف في قائمته نفسها، أي «العراقية».
لعل السؤال الوحيد المفيد الذي طرحه الهاشمي في مؤتمره الصحافي هو ذاك الذي قال فيه مستغرباً: كيف يمكن أن يكون للنائب في مجلس النواب حصانة ولا يكون لنائب رئيس الجمهورية أي حصانة؟ هذا السؤال، على أهميته، كان ينبغي أن يوجَّه لمن كتبوا الدستور بهذا الشكل، وكان هو في مقدمتهم وأكثرهم فاعلية وأهمية. ثم إن هذا الدستور ينص على عدم وجود منصب نائب رئيس الجمهورية بعد الفترة الانتقالية التي انتهت بانتهاء العهدة الأخيرة للبرلمان السابق، والمنصب الذي يتمتع به هو والخزاعي وزميلهما المستقيل عادل عبد المهدي جاء جائزة ترضية طائفية وحزبية لهم لا أكثر ولا أقل.
أما بالنسبة إلى تدخُّل إياد علاوي في الأزمة، فقد كان، كما علّق بعض المحلّلين، زائداً ولا علاقة له بواقع الحال. فهو في تدخله طالب «التحالف الوطني» الحاكم بإقصاء غريمه المالكي عن الحكم، واستبداله بشخص آخر من التحالف، وكأن القضية خلاف شخصي بحت بين الرجلين. كذلك خفّف علاوي من اتهامات نائب رئيس الحكومة صالح المطلك ضد المالكي، فلم يقل بأنه «أكبر دكتاتور في تاريخ العراق»، بل وصفه بـ«المتفرد بالقرارات».
ويبقى المحيّر، بحسب البعض، انقلاب سلوك علاوي؛ فقبل أيام قليلة، كان زعيم «العراقية» يقترح على المالكي «المصالحة الحقيقية». لكنّ الطرف المقابل لم يأبه لاقتراحاته وتوسُّلاته، وكلّف أحد القادة من الصف الثاني أو الثالث بالرد عليه فقيل له «من يطلب المصالحة لا يفعل ذلك في وسائل الإعلام بل يتقدم بطلب مكتوب للأطراف المعنية». أحد المحللين يعتقد أن علاوي إنما أراد بدعوته إلى إقالة المالكي ردَّ ما اعتبرها إهانة له، وأن ما حدث كان فرصة حاول أن يعيد من خلالها بعض البريق لشخصيته السياسية بعدما شحبت كثيراً.
أما الأداء الحكومي للمالكي ومستشاريه فكان، مثلما سجل مراقبون كُثر، مرتبكاً وعصبياً هو الآخر، ولم ينمّ عن أي حكمة أو بُعد نظر. ففي البداية، قرّروا تأجيل بثِّ اعترافات عناصر حماية الهاشمي بالاتفاق مع مجلس القضاء الأعلى والطالباني، ثم عادوا وسرّبوها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ثم عبر قناة التلفزيون الحكومية. والأخطر من هذا كله، تعامل المالكي وأجهزته مع الاعترافات والاتهامات كحقائق مُنزَلة وغير قابلة للطعن، وبهذا فقد تدخّل المالكي ورجاله في الشأن القضائي الذي يفترض أن يكون سلطة ثالثة مستقلة ومحايدة.
وزاد الأزمة تزامنها مع مشكلة تصريحات نائبه المطلك، وطلب المالكي من البرلمان سحب الثقة منه، ليتبين لاحقاً أن المالكي لم يطلب سحب الثقة من المطلك، بل أنه أقاله نهائياً بموجب المادة 78 من الدستور، وأرسل بلاغاً إلى البرلمان بذلك، وفق ما أعلنه المستشار القانوني للحكومة فاضل محمد جواد.
ويصوّب البعض على شق آخر يتعلق بقضية الهاشمي، تحديداً ما يتعلق بموقع الطرف الكردي العراقي من الأزمة الحالية؛ ثمة بديهية تقول إذا أردتَ أن تمسك بالخيط المؤدي إلى المجرم الحقيقي، فابحث عن المستفيد من الجريمة أولاً؛ فمن هو المستفيد من فتح ملفات ارتكابات جنائية خطيرة، وبعضها يعود لسنوات الاقتتال الطائفي بين 2006 و2007؟ ولماذا يأتي هذا الكشف في هذه الأيام التي يحزم فيها المحتل حقائبه ويرحل؟ إن التشكيك هنا، وفق محللين عراقيين وأجانب، لا يطاول اعترافات مرافقي الهاشمي بحد ذاتها، إذ قد تكون صحيحة أو مفبركة، وهذا ما سيكشفه القضاء. لكن التشكيك يطاول الجهة التي كشفت هذه الملفات وفي هذا التوقيت المحدد بالذات.
ثم، كيف كان سيبدو الوضع السياسي والاجتماعي العام في العراق لو أن الغالبية العربية الشيعية والسنية التي يصل تعدادها السكاني إلى 85% من السكان تعيش علاقات جيدة أو على الأقل غير متوتِّرة وغير متجهة نحو الاقتتال الطائفي؟
وكيف سيكون الطرف الثالث والشريك المجتمعي الكردي ممثَّلاً بالتحالف الكردستاني؟
فهل هي الزعامات الكردية التي لا دوام لاستمرارها بذات الوزن السياسي والقوة بعد رحيل حليفها المحتل إلا بضعف عرب العراق وضربهم بعضهم بعضاً طائفياً؟
مراقبون آخرون يردّون على هذا الكلام بأنه ليس أكثر من اتهامات لا يسندها دليل وتنطوي على محاولة للقفز على مشاكل حقيقية بين الطائفتين الشيعية والسنية، ويذهب آخرون إلى اعتبارها احتمالات مشتتة لا تجمعها مبررات متماسكة ومقنعة. ومع ذلك، فلا أحد ينفي وجود المشكلات الطائفية الحقيقية وهذه واحدة منها، لكن نفي هذه الآراء والاحتمالات ليس بهذه البساطة، ولا سيّما أن هناك أدلّة وحججاً قوية تدعمها، من ذلك مثلاً أن للتحالف للكردستاني تواجده المهم والمؤثر في الملف
الأمني الاتحادي ومؤسساته، بدءاً برئاسة أركان الجيش العراقي التي يرأسها الكردي بابكر الزيباري، مروراً بوكيل وزارة الداخلية العراقية الكردي والحليف المقرب من استخبارات الاحتلال اللواء حسين كمال، والذي اتهمته أوساط عراقية معارضة بتسهيل تعيين العديد من الضباط الأكراد في الوزارة، الداخلية وبعلاقات معيَّنة بما كان يسمى «فرق
الموت».
كما أنّ أداء الطالباني ومعاونيه، بحسب بعض السياسيين العراقيين، وحرصه على البقاء في مدينته السليمانية، وما قام به من جهود متنوعة في إطار قضية الهاشمي، لا يصب معظمها في اتجاه التهدئة بل يثير المزيد من الأسئلة.




ربَّ ضارّة نافعة


إنّ قضية طارق الهاشمي، بما أثارته من أسئلة مكشوفة ودقيقة، يمكن أن تكون تطبيقاً مثالياً للقول العربي «ربَّ ضارة نافعة»، كما يرى المحللون المتفائلون وهم قلَّة، وذلك من خلال جعلها بوابة للخروج من نفق التحكم بالعامل الطائفي داخل الغالبية العراقية العربية، وتحكيم العقل والقانون والعدالة عملياً من خلال تفعيل ودعم استقلال القضاء العراقي، وإعادة كتابة الدستور العراقي دون إبطاء، لأنه كما ثبت عملياً، مصدر معظم التوترات والمشاكل الخطيرة المتوالية. ينبغي أيضاً، وفق فريق ثالث، ضمان حق الأقليات القومية دون مبالغات أو ابتزاز أو استقواء بالأجنبي، وفي مقدمة تلك الأقليات الأكراد والتركمان وغيرها. وأخيراً، يعتقد باحثون وسياسيون، ضرورة إطلاق عملية مصالحة حقيقية تشمل ملفات قمع النظام الدكتاتوري السابق وجرائمه ضد الشعب، وملفات سنوات الاقتتال والتهجير الطائفي والتجاوزات التي قام بها من ينسبون أنفسهم حقاً أو باطلاً إلى المقاومة العراقية أو إلى نظام المحاصصة الطائفية الذي جاء به الاحتلال.