الأنباء الآتية من بغداد في الساعات الماضية تؤكد أن الاتجاه يميل نحو التهدئة الهادفة إلى التوصل إلى مجموعة حلول عملية لأزمتَيْ نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي ونائب رئيس الوزراء صالح المطلك. في ما يخصّ الأزمة الأولى، سرّبت أوساط مقرّبة من المفاوضين والوسطاء العراقيين (من دون الحديث عن الوساطة الإيرانية) أنه جرى التوصل إلى حلّ يقوم على أن توضع الاتهامات التي وجهها عدد من أفراد حماية الهاشمي لنائب الرئيس في عهدة القضاء ليحسم فيها ويقرر مكان المحاكمة، بغداد أو أربيل. حل بُلور في لقاء رئيس البرلمان أسامة النجيفي ورئيس الجمهورية جلال الطالباني، إذ أصدرا بياناً مشتركاً أكدا فيه التوصل إلى «الاتفاق على حل قضية نائب الرئيس عبر الإجراءات القضائية التي يتيحها القانون، والتي تضمن الوصول إلى الحقائق على نحو سليم».


وفي السياق، أصدر مجلس القضاء الأعلى قراراً يقضي بإعادة التحقيق في الاعترافات التي أدلى بها أفراد حماية الهاشمي، والتي بموجبها صدرت مذكرة اعتقال بحق المتهم. مصادر قضائية كشفت أن الغرض من قرار إعادة التحقيق أو التدقيق هو طمأنة الهاشمي وحلفائه إلى سلامة عمل القضاء وشفافيته.
أما بخصوص أزمة المطلك، فيبدو أنها في طريقها إلى الحل أيضاً، وبسرعة أكبر من سابقتها؛ فوفق بعض المصادر المقرّبة من الوسطاء، فإن ثلاثة اقتراحات حلول اتُّفق على طرحها على الطرفين، أي رئيس الوزراء نوري المالكي ونائبه المطلك. أحد تلك الاقتراحات يتضمن أن يقدم المطلك اعتذاراً مناسِباً لقائمة «دولة القانون» عن تصريحاته التي وصف فيها المالكي بأنه «أكبر دكتاتور في تاريخ العراق»، على أن تقبل القائمة ذلك الاعتذار.
الجديد في ملف قضية المطلك هو ما طرحه أحد النواب المقرّبين من المالكي، وقال فيه إن قرار المالكي إقالة نائبه ليس بسبب تصريحاته ضد رئيسه المباشر فقط، مشيراً إلى وجود عدة أسباب أوردها المالكي في رسالته إلى رئيس البرلمان النجيفي، من بينها رفض عدد من وزراء قائمة «العراقية» ممارسات وتدخلات المطلك، القيادي في «العراقية»، في عمل وزاراتهم رغم أنهم من قائمته. في موازاة ذلك، لا تزال المبارزة بالمؤتمرات الصحافية والمؤتمرات المضادة متواصلة؛ ففي العاصمة الأردنية عمان، التي تتحول خلال كل أزمة سياسية أو أمنية في العراق إلى ملاذ لقادة «العراقية» ونوابها ومسؤوليها، عقدت المتحدثة باسم كتلة إياد علاوي، النائبة ميسون الدملوجي، مؤتمراً صحافياً اتهمت فيه مسؤولين كباراً مقرّبين من المالكي بالتورط «في قتل الناشط السياسي والفنان المسرحي هادي المهدي» قبل بضعة أشهر. وقالت الدملوجي إن قائمتها «لا تريد الكشف عن أسماء المتورطين حتى لا يتأزم الوضع السياسي أكثر». تصريح أثار ردود فعل غاضبة من الوسطين السياسي والثقافي، إذ اعتبره البعض «اغتيالاً ثانياً للمهدي وجميع ضحايا العنف السياسي والطائفي». وضع أجبر صاحبة التصريح على التخفيف من حدة تصريحها في اليوم التالي، فأوضحت أنها «لم تتهم المالكي شخصياً باغتيال المهدي، ولم تقل إن لديها أدلة ووثائق لن تكشف عنها»، لافتة إلى أنها كانت تشير في تصريحها ذاك إلى ما قيل عن تهديدات تلقّاها المغدور من «مسؤول كبير في مكتب المالكي».
وكان المالكي قد عقد مؤتمراً صحافياً طويلاً قبل خروج أنباء التوصل إلى اتفاقات على التهدئة، أبرز ما ورد فيه هو قوله «أنا، قبل ثلاث سنوات، قدمت ملفاً باعترافات مصدّقة إلى هيئة رئاسة الجمهورية وإلى سماحة المرحوم عبد العزيز الحكيم عن المخالفات التي ارتكبها نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي. نعم، كان هذا منذ ثلاث سنوات، وكنت أصبر من أجل العملية السياسية وأصبر». وكأن المالكي أراد استباق ما ستثيره هذه المعلومة الخطيرة، فردّ مسبقاً على من يرى أن الصبر أو السكوت بمثابة «تستّر وخيانة»، فقال إنه سيكون خيانة «إذا كان الهدف منه التستّر على مجرمين، أما إذا كان الأمر متعلقاً بإطار الممكنات والإرادة، فهو ليس بخيانة».
إلا أن انتقادات وأسئلة كثيرة طرحها المتابعون عن تستُّر المالكي عن هذه المعلومات الأمنية، عكست أنه يعيش في ورطة حقيقية، ليس سببها أنه «تهوّر» في كشف ملف اتهامات الهاشمي، بل لأنه، بحسب البعض، يعيش في قلب لعبة انتخابية مصمَّمة من قبل الاحتلال الأجنبي تدور ضمن المحاصصة الطائفية من جهة، ولأن القوى النافذة والمهيمنة فيها هي من طبيعة طائفية وقومية.
وبالعودة إلى المؤتمر الصحافي الذي عقده المالكي، سجّل بعض المشاركين أنه، رغم تلك الصورة المحرجة والدفاعية التي ظهر بها رئيس الحكومة، تمكن من تبديد الكثير من الاتهامات التي سجلها عليه الخصوم والمراقبون، بين ذلك ردّه غير المباشر على من انتقدوه لعرضه اعترافات أفراد حماية الهاشمي على وسائل الإعلام، فأوضح أنه لم يفعل ذلك بقرار فردي ومباشرةً بعد الإدلاء بالاعترافات، بل بعدما استشار المجلس الأعلى للقضاء الذي أجابه بأنه لا يمكن عرض هذه الاعترافات إلا بعد 12 ساعة، «وبعد مرور تلك الساعات اتصلنا بالقضاء، فقيل لنا يمكنكم الآن عرض الاعترافات»، وفق تعبير المالكي.
ورغم الهدوء والشعور بالانفراج الذي أثارته أنباء التوصل إلى توافقات وصفقات سياسية بين الأطراف المتصارعة، فإن المتشائمين لم يخلوا الساحة تماماً. من هؤلاء مثلاً، يمكن تسجيل موقف كتلة «كوران ـــ التغيير» الكردية المعارضة التي رأت أن «جميع المبادرات التي طُرِحت لإيجاد حلول للمشاكل السياسية لن تجدي نفعاً بسبب عدم وجود ثقة بين الكتلتين الرئيستين (العراقية ودولة القانون)». وأعربت الكتلة عن خشيتها من أن يكون العراق «بلد المليون مبادرة، فيما الحلول على أرض الواقع تتجه نحو الأسوأ يوماً بعد آخر».