بغداد ــ الأخبار

يرى البعض في العراق أنّ لا خلاف على اعتبار أنّ خسارة عسكرية كبرى مُني بها جيش الاحتلال الأميركي في بلاد الرافدين. الأسباب لا تحتاج الى كراسات وأقلام لتعدادها، ولا إلى منظّرين يملؤون الشاشات ويشغلون وسائل الإعلام للتسويق لها، ولا إلى الترويج لعمليات المقاومة العراقية النوعية وتطويرها في أساليب المواجهة، بل تكفي المقارنة بين صورة الجيوش الأميركية وحلفائها في مناسبتين: ــ الأولى عندما دخلت العراق وكان جنودها يأخذون وضعياتهم على الآليات تماماً مثلما ألفوها لمدة أعوام في أفلامهم الهوليوودية، بهدف التقاط الصور التذكارية. أما الثانية، فتقع على النقيض تماماً حيث لم يجرؤ هؤلاء الجنود حتى على تصوير مغادرتهم لقاعات ثكنهم وقواعدهم العسكرية طوال الأسابيع الماضية.

إنّ مقارنة كهذه تقود إلى الاعتراف بأن المقاومة العراقية انتصرت، ليبدأ نقاش اليوم عن موقعها بعد الانسحاب، وبعد حجز فصائلها حيزاً في الحياة العراقية العامة.
ليس سراً أن الفصائل والتنظيمات السنية التي قارعت الاحتلال، طرحت منذ بروزها على الساحة مشاريعها الخاصة والمتمثلة بإقامة حكم إسلامي أو دولة اسلامية على غرار «دولة العراق الاسلامية» أو «جيش المجاهدين» أو «أنصار السنة» وغيرهم. هذا ما أعلنوه منذ بروزهم حتى اضمحلال ذكرهم، إضافة إلى أن بعض التنظيمات كان يستكمل مشاريع جعلت العراق إحدى ساحاتها (تنظيم القاعدة)، لذلك ينحصر الحديث هنا بالفصائل الشيعية.
الفصيل الأول دخل الحياة السياسية العراقية منذ سقوط نظام صدام حسين، وبرز طرفاً منادياً بمقاتلة الأميركيين، وهو التيار الصدري، وتحديداً «جيش المهدي» (الذي جمد في ما بعد) بقيادة مقتدى الصدر، وهو تيار شارك في الانتخابات وله نواب في البرلمان ويتمتع بشعبية واسعة وتأييد شيعي لافت، وله أطروحته السياسية المعروفة. الفصيلان الآخران هما «عصائب أهل الحق» بقيادة الشيخ قيس الخزعلي، وهو أحد الصدريين القدامى، وقد انفصل عن الصدر بعد خلاف جوهري في وجهات النظر بحسب قياديي «العصائب»، ما اضطر أمينهم العام قيس الخزعلي إلى المضي بإنشاء تنظيم جديد يقود مقاومة صرفة، بعيداً عن العملية السياسية. وبالفعل فقد كان لـ«العصائب» عملياتها النوعية التي أوجعت الاميركيين وألحقت بهم خسائر فادحة.
بقيت «كتائب حزب الله في العراق»، وهي جهة مقاومة يقودها في العراق شخص يدعى أبو آلاء (هاشم)، وكان معتقلاً لمدة ثلاث سنوات. الانطباع السائد عن «الكتائب» هو ولاؤها الكامل لإيران، وتلقيها دعماً إيرانياً لوجستياً ومادياً. انطباع يتحول إلى حقيقة عند المرور على حركتها وعملياتها وسريتها وحتى اسمها الدالّ على تبعيتها، إذ يشبّهها كثيرون ببعض الحركات التي برزت في ثمانينيات القرن الماضي في لبنان (مثل الجهاد الإسلامي)، وهذا ما يحتمل أن يكون الدافع وراء غياب أي مشروع سياسي لهذا الفصيل الذي نأى بنفسه عن أية مشاحنات أو تدخل في الوضع السياسي في العراق.
بات مصير هذه التنظيمات يطرح على شكل سؤال عريض برسم الإجابة السريعة التي لاحت بوادرها حتى قبل انتهاء الاحتلال الأميركي في بلاد الرافدين. ثمّة خطوات متسارعة اتخذتها «العصائب» و«الكتائب» بشكل مشترك، كما اتخذها كل فصيل على حدة، حيث شهدت الأيام القليلة الماضية أكثر من اجتماع تنسيقي بين قيادات الفصيلين، كان أكبرها ذاك الذي عُقد في مدينة الصدر ببغداد بعد إطلاق سراح القيادي في «كتائب حزب الله» أبو آلاء، وحضر حفل استقباله الشيخ قيس الخزعلي. ورغم ذلك، من المؤكد في هذه الفترة أن «الكتائب» لا تتطلّع إلى المشاركة في الحكم أو الدخول في العملية السياسية أو حتى تبنّي مشروع سياسي، فضلاً عن إطلاق مشروع خاص بها، علماً أن التواصل مع رئيس الوزراء نوري المالكي لم ينقطع رغم بعض الأذى اللاحق بـ«الكتائب» من قبل الجيش العراقي والقوات الحكومية بحسب ما يؤكده مقربون من «الكتائب».

«عصائب أهل الحق»

بعكس التنسيق بين «الكتائب» و«العصائب»، فإن قطيعة كاملة تقع بين «الكتائب» والتيار الصدري، ما يساعد في الاستدلال على غياب أي تكامل أو تقاطع بين طرح الفريقين، وهذا ما أكدته «العصائب» بالممارسة من خلال اتخاذ خطوات عملية تمهد لأرضية صلبة تمكنها من الإطلالة على المشهد السياسي العراقي عقب الانسحاب. من بين هذه الخطوات كانت حملة دعائية ممنهجة في الشوارع والمحطات الإعلامية التابعة لها لترسيخ انتصارها بعنوان: المقاوم... ينتصر.
إلا أن المفارقة كانت في محاولة إدخال ثالوث جديد في المجتمع العراقي، إذ رُفعت لافتات تروج إلى أن ما تحقق كان سببه «الحكومة والشعب والمقاومة»، وهذا يشكل تحولاً كبيراً لدى من قاوم الاحتلال بالنار بعدما كانت الحكومة وجيشها جزءاً من المعركة ضده. وهؤلاء، سواء علموا أو لم يعلموا، فإنهم يتجاهلون حقيقة واضحة مفادها أن حكومة نوري المالكي يصعب عليها أن تعادي فصيل كـ«عصائب أهل الحق»، كما أن «العصائب» لن تتخذ من المالكي وحكومته عدواً وذلك لاعتبارات عديدة، في طليعتها الدعم و«المونة» الإيرانيان على الطرفين.
من هنا، جاء دخول «العصائب» في معترك السياسة العراقية، على قاعدة أن «من قاوم له الحق في المشاركة التي تضمن حقوق العراقيين وتدافع عنها»، على حد تعبير أمينها العام الخزعلي.
من جهة ثانية، لا يرفض «أهل الحق» المصالحة الوطنية من حيث المبدأ، فهم يعربون عن استعدادهم لها بشرط ابتعادها عن ثالوث «البعث والقاعدة والتكفيريين»، علماً أن قياديي «عصائب أهل الحق» شددوا أكثر من مرة على أنهم لم يكونوا على خلاف مع أحد حتى تكون مصالحة، لكنهم لن يقفوا حجر عثرة في وجهها طالما استبعد الثالوث المذكور.
حتى الساعة، لم يقدم هذا الفصيل مشروعاً سياسياً واضح المعالم، نهائي التطلعات، إلا أن من المؤكد أن ما أصاب غالبية المقاومات في بقاع الأرض أصابه بحكم التاريخ والجغرافيا، وشاهِد التيار الصدري ليس ببعيد عنه.