يبدو أنه الرابح الأكبر من الثورة اليمنية «الشبابية الشعبية». هكذا صار يُقال عن اللواء علي محسن الأحمر، الضابط البارز الذي لطالما نُظر إليه على أنه الرقم 2 في اليمن بعد الرئيس علي عبد الله صالح طوال الأعوام الـ33 الماضية، بعدما انطلق في الحكم بالتوازي مع بداية حكم صالح منذ منتصف عام 1978. ويبدو هذا الكلام مبنياً على أساس أن قائد الفرقة «أولى مدرع» قد خرج سالماً من غير خسارة واحدة بعد كل ما حدث في البلاد منذ اندلاع الشرارة الأولى للثورة. وحصل هذا بعدما استطاع التقاط اللحظة المناسبة للقفز من سفينة صالح الغارقة، وإعلان انشقاقه عن الحكم الذي كان أحد صناعه الكبار لأكثر من ثلاثين عاماً.


لحظة الانشقاق المناسبة توافرت للواء الأحمر عندما تورط صالح في ارتكاب مجزرة «جمعة الكرامة» في الثامن عشر من شهر آذار الماضي وراح ضحيتها نحو 53 شاباً من شباب الثورة في «ساحة التغيير» في صنعاء. عندها وجد اللواء علي محسن الأحمر الذريعة المناسبة للخروج من عباءة النظام، بعدما أدرك أنه هالك لا محالة، ولاحظ كيف أن الاحتجاجات أدت إلى تآكل شرعية صالح وخسارته للعيد من محازبيه الذين آثروا الابتعاد عنه. وترافق خروج الأحمر مع إعلان قادة كبار في الجيش اليمني انشقاقهم معه وتكوينهم لما سمّوه «الجيش الموالي لثورة الشباب الشعبية السلمية»، تتركز مهمته، بحسب ما أعلنوه في بيانهم، على «الدفاع عن الشباب المعتصمين في الساحات من اعتداءات العناصر المسلحة الموالية» للرئيس علي عبد الله صالح. لكن ظهر أن ذلك الدفاع كان مقتصراً على شباب «ساحة التغيير» المجاورة لجامعة صنعاء، فيما تُرك باقي الشباب المرابطين في الساحات الأخرى من غير حماية، يتعرضون للقتل كلما اختار نظام صالح إيصال رسالة للمحتجين بعزمه على البقاء في السلطة.
لكن المعضلة الأكبر التي واجهت «الجيش الموالي لثورة الشباب الشعبية السلمية» طوال فترة الاحتجاجات في الأشهر السابقة، كانت أن عملية القتل التي أتقن النظام ممارستها طوال أشهر الاحتجاجات، لم تتوقف حتى في «ساحة التغيير» القريبة من مركز قيادة «الفرقة الأولى مدرع» التابعة لعلي محسن الأحمر. وسرعان ما اكتشف البعض من الذين تلقفوا انشقاق الأحمر وعدّوه بمثابة ضربة قاضية للنظام، أن الخطوة لم تكن فقط غير مجدية لشباب الساحات، بل حمّلت الثورة أيضاً ثقلاً كبيراً من طريق إظهارها للعالم أنهم يقومون بثورة لم تعد سلمية، بل صار لديها جيش مسلح يدافع عنها، ويظهر القتلى الذين يسقطون في صفوف الشباب على أنهم سقطوا نتيجة مواجهات مسلحة بين طرفين يملكون السلاح. عن هذه النقطة، يقول الإعلامي المستقل خالد عبد الله، في حديث لـ«الأخبار»، إن «نظام علي عبد الله صالح قد نجح في استخدامها جيداً من خلال إظهار أن الجيش التابع إنّما يدافع عن نفسه ضد قوات مسلّحة منشقة عن الجيش وخائنة للقسم العسكري».
ويشير عبد الله إلى أن هذا الأمر ظهر بوضوح من خلال تعامل وكالات الأنباء العالمية مع الشأن اليمني بعد واقعة انضمام علي محسن الأحمر إلى صف الثورة الشبابية، وكذلك «استخدام هذا الأمر في تبرير أفعال القنص التي كانت عناصر تابعة لصالح قد قامت بها ضد الشباب المعتصمين».
ومع ازدياد وتيرة الأقاويل المُشككة في صدق نيات اللواء علي محسن الأحمر في أمر إعلان انضمامه إلى صف الثورة، على قاعدة أن هذا لم يكن إلا لتخفيف الضغط عن نظام علي عبد الله صالح من خلال تحويل الثورة الشبابية السلمية إلى مجرد «أزمة سياسية» بين طرفين مسلحين، ذهب علي محسن الأحمر بعيداً في خطاباته الموجهة للمواطنين اليمنيين في الداخل، من خلال رفع سقف انتقاده الصريح لنظام صالح، وكشفه لحقيقة ما كان يجري في مطبخ النظام طوال ثلاثة وثلاثين عاماً. وأكد أيضاً في خطابه الشهير الذي ألقاه لمناسبة عيد الأضحى الماضي، استعداده لـ«المثول أمام قضاء الثورة العادل إذا طُلب منا ذلك كشهود أو تحت طائلة القانون».
بموازاة ذلك، ذهبت الماكينة الإعلامية المحلية الموالية لعلي محسن الأحمر في إغراق الصحف بوثائق رسمية تدين نظام علي صالح، لأنه كان المسؤول الأول والوحيد عن الحكم وعن كل التصرفات التي حصلت خلال فترة حكمه. وفي السياق، يقر إعلامي منضم إلى «المركز الإعلامي لشباب الثورة»، فضل عدم الكشف عن هويته، بأنّ المطبخ الإعلامي التابع لـ«الفرقة أولى مدرع»، قد «نجح إلى درجة كبيرة في إظهار حجم الخراب الذي فعله علي عبد الله صالح في اليمن». وأكد، في حديث لـ«الأخبار»، أن هذا الأمر ساهم بشكل كبير في تقوية موقف علي محسن الأحمر وإظهاره في هيئة الضحية والشخصية التي لم يكن في يدها أي قرار حاسم في بنية البلاد.
لكن، بحسب الإعلامي المستقل علوي حسين، فإن الثغرة الكبيرة التي سقط فيها الإعلام الموالي للأحمر تمثلت في تنظيم حملة كبيرة تهدف إلى إظهار علي عبد الله صالح على أنه لا ينتمي إلى الفرع الأصلي لقبيلة الأحمر «العريقة»، وأنه استولى قسراً على لقب الأحمر، فيما لقبه الأصلي هو «عفّاش»، وهي فرع ثانوي من قبيلة الأحمر الكبيرة، وهي تقع في مرتبة دنيا على السلم الاجتماعي القبلي المُشكل للتركيبة الاجتماعية في بنية قبيلة الأحمر المنتمية إلى الفرع الأكبر «حاشد».
وبحسب حسين، هذا الخطاب الإعلامي رأى فيه الكثير من المراقبين أنه «خطاب عنصري بحت لا يستقيم مع نبل الثورة وأهدافها وصفاء مقاصدها التي تبحث عن إزالة الفوارق الطبقية التي نجح علي عبد الله صالح في تعميقها طوال فترة حكمه». ولفت علوي إلى أن «مثل هذا الخطاب المتدني وعياً وسلوكاً من رفع اسم عفّاش في المسيرات الاحتجاجية إنما يعزز من ثقافة عنصرية تجاه طبقة اجتماعية تمثلها أسرة عفّاش»، مشيراً إلى أن «هناك العديد من المواطنين الذي يحملون هذا اللقب الذي يحمله صالح، وهم مواطنون صالحون، بينما هذا الخطاب العنصري يستعديهم تجاه الثورة مجاناً».
ومع تصاعد خطاب علي محسن نفسه بموازاة تصاعد حدة الخطاب الإعلامي الموالي له، ظهر أن العلاقة بينه وبين نظام صالح قد وصلت فعلاً إلى نقطة اللاعودة، وأن الطلاق مع حليف السنوات الطويلة قد صار طلاقاً لا رجعة عنه، لتظهر المواجهات المسلحة الشرسة بين الطرفين المتقاتلين في شوارع العاصمة صنعاء التي ظهرت كساحة حرب مفتوحة نجحت في تقسيم العاصمة إلى منطقتين كل واحدة منهما تابعة لأحد من الطرفين المتقاتلين.
لكن التطورات المتسارعة هدأت بنحو مفاجئ بعد موافقة الرئيس صالح على توقيع المبادرة الخليجية في العاصمة السعودية الرياض، وتفويض صلاحياته إلى نائبه عبد ربه منصور هادي، ما سهّل في ما بعد لعلي محسن الأحمر، في نظر المراقبين، محاولة فرض سيطرته على البلاد ولا سيما في حال صحة الأنباء التي تحدث عن نية الرئيس اليمني السفر إلى الولايات المتحدة الأميركية لاستكمال العلاج من الجروح البالغة التي أصابته في محاولة الاغتيال التي تعرض لها في حزيران الماضي، على أن يتوجه بعدها للإقامة دائماً مع أفراد أسرته في الإمارات العربية المتحدة.
إضافةً إلى ذلك، يبدو إعلان وسائل إعلامية تابعة لحزب «المؤتمر الشعبي العام» الحاكم سابقاً، عن نية قائد الحرس الرئاسي طارق يحيى عبد الله صالح، ترك مهماته العسكرية والتفرغ لتولي منصب في حزب «المؤتمر الشعبي العام»، يبدو أنه يصب في اتجاه تفكك سيطرة أقارب الرئيس صالح منزوع الصلاحيات على الشأن العسكري، وهو ما سيُسهم بوضوح في تسهيل عملية إعادة هيكلة الجيش لتصبح تحت سيطرة كاملة من قبل قيادة «الفرقة الأولى مدرع».
ولا يعني كل ذلك سوى أن اللواء علي محسن الأحمر قد ظهر كرابح أكبر من هذه «الثورة» التي جعلته مجدداً في سدة الحكم. أمّا مسألة إعادة هيكلة الجيش، التي نصت عليها المبادرة الخليجية، فتبقى مسألة لا قيمة لها بالنسبة إليه في ظل ضعف نجل صالح، أحمد علي، الممسك بزمام الحرس الجمهوري، ولا سيما أن الأخير لم يدخل في حرب حقيقية منذ توليه قيادة الحرس الجمهوري على عكس قوات علي محسن الأحمر التي خاضت حروباً عديدة على الأرض، أولها في حرب صيف عام 1994 بين القوات النظامية وجماعة «الحزب الاشتراكي» اليمني في
الجنوب.
كذلك يبدو اللواء المنشق مطمئناً إلى عدم امتلاك أحمد علي للقدرة على التنسيق مع المشايخ القبلية التي تمسك باليمن من المناطق المحيطة بالعاصمة، وهي القبائل نفسها التي نجح اللواء علي محسن الأحمر في توثيق علاقاته معها خلال سنوات الحروب الست التي خاضتها السلطة مع جماعة الحوثيين، والتي كانت تبدأ عادةً بشرارة يقوم علي عبد الله صالح بإطلاقها كي يجرّ علي محسن الأحمر إليها. لكن مع هذا، يبقى التحدي الأكبر أمام إكمال مسيرة الأحمر باتجاه السلطة التامة وإحكام سيطرته على البلاد، هو موقف جماعة عبد الملك الحوثي منه، وتأكيدهم المستمر لمطلبهم بضرورة اعترافه الصريح عن مسؤوليته في الحروب الست التي خاضتها السلطة ضدهم في منطقة صعدة.




هادي: مهمّة اللجنة العسكرية تسير بنجاح


أعلن نائب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، أمس، أن «اللجنة العسكرية والأمنية لتحقيق الأمن والاستقرار»، قد حققت خلال الأسابيع الماضية «نجاحاً كبيراً» في تنفيذ مهماتها، إلا أنه اعترف بـ«وجود صعوبات تعترض أداء اللجنة من قبل بعض الأطراف المتشددة وأخرى ترفض المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية». من جهةٍ ثانية، كشف هادي عن وجود «مشاورات مع أحزاب «اللقاء المشترك» للامتناع عن تحريك التظاهرات والمسيرات الشعبية، وخصوصاً من محافظة إلى أخرى. وكان البرلمان قد وافق على برنامج الحكومة الانتقالية التي يقودها المعارض البارز محمد سالم باسندوة. وبين هذه التطورات السياسية، أعلن مقتل مدني وإصابة ثلاثة آخرين بجروح في اشتباكات اندلعت بين قوات الحرس الجمهوري ومسلحين ينتمون إلى شيخ مشائخ قبيلة حاشد، صادق الأحمر (الصورة)، وذلك عندما كانت اللجنة العسكرية تعمل على رفع المظاهر المسلحة في صنعاء.
(أ ف ب، رويترز)