في ظل تتابع الأنباء بشأن ما يحكى عن «المصالحة بين تنظيم الإخوان المسلمين والنظام في مصر»، تطغى التفاصيل «الإخوانية» أكثر من غيرها، وذلك بسبب تباين مواقف الوجوه الرئيسة للجماعة ومراكز قرارها ــ المنتشرة بين القاهرة و«العواصم الآمنة للإخوان».

ينقسم قرار الجماعة بشأن هذا الملف بصورة حادة بين جبهتين تواصلان الصراع الداخلي لوضع اليد على «القرار الإخواني»: جبهة القائم بأعمال المرشد العام للجماعة، محمود عزت، واللجنة الإدارية العليا التي انتخبت في تشرين الأول 2015، وهي نفسها ما يسمى "مكتب الأزمة».
كان من المزعج لدى كل أبناء «الصف الإخواني» طرح مصطلح «التصالح مع النظام» قبل عام من اليوم، لكن بالنظر إلى أنّ الجماعة قد بدأ ينهكها الصراع مع النظام وأجهزته، ولأنه سيتحوّل إلى «صراع صفري» في مرحلة لاحقة، فإنّ ما كان مرفوضاً قبل عام، عاد ليطرح من جديد، بل يذهب بعضهم إلى تفنيد دعاوى الرافضين لها، ويسعى هذا القطاع داخل الجماعة إلى الترويج للفكرة، والدفع نحو إقرارها.

رهانات محمود عزت
كان من نتائج ارتفاع حدة الصراع منذ صيف 2013، توجه تيار داخل الجماعة، تتزعمه قيادات شبابية، نحو عمليات وصفت بـ «النوعية» ضد عناصر وزارة الداخلية داخل المحافظات المختلفة، وهو الأمر الذي دفع «الإخوان» جزءا غالياً من ثمنه، إثر تصفية قيادات ذات شأن على يد «الداخلية».
في خضم تلك الظروف، برز محمود عزت وفريقه إلى المشهد بقوة، فأعلن شعار الحفاظ على التنظيم، مقدماً إياه على أي اعتبارات أخرى. وأعلن عزت، في آذار 2015، التبرؤ من أي عمليات ضد النظام، الأمر الذي أعطى إشارة بدء الصراع على شرعية القيادة.
«جبهة عزت» ارتأت لملمة الأمور، حفاظاً على ما تبقى، وهي تواصل بذل جهود ملموسة حتى الآن لإحكام السيطرة على القرار. ويظهر ذلك جلياً من الوقوف أمام قرارات «مكتب الأزمة» المحسوبة على القيادة الشبابية، التي رجحت ضرورة الصدام المسلح مع الدولة، وبدأت في جس نبض «قواعد الإخوان» بشأن التصالح وإغلاق الملف نهائيا.

التصالح سيلقي ظلاله على وضعية الجماعة في الإقليم ككل

ينطلق عزت وفريقه (غير المستهان به داخل مصر وخارجها) من قناعات، أبرزها أن ما حدث جولة سياسية خاسرة، وأن على الجماعة التراجع وترتيب الأوراق بعدما أنهكت، ثم معاودة النضال السياسي مرة جديدة. ذلك إلى جانب الاقتناع بأن «الإخوان» أخطأوا بالترشح للانتخابات الرئاسية، إضافة إلى اعتبار أنّ الحديث عن «إنهاء حكم العسكر في مصر» خيالي. وهو ينطلق من تلك الاعتبارات لطرح فكرة ضرورة صناعة فسيفساء مصرية جديدة لإدارة الدولة، تشمل الجيش، والتيار المدني، والإسلاميين.

خيارات المواجهة
أما التيار الرافض لفكرة «المصالحة»، فينطلق من «مقدسات»، تأتي في مقدمها قضايا مثل حقوق الشهداء والمعتقلين، وشرعية الرئيس الأسبق محمد مرسي، ودستور 2012، ومجلس الشعب المحلول آنذاك. ويرى هؤلاء أن السيسي نفسه لا يريد المصالحة، بل هم يتمسكون بفكرة إطاحته من سدة السلطة «كمفتاح لأي تسوية مع الدولة المصرية».
ويسابق «مكتب الأزمة»، الزمن، لإقرار لائحته الداخلية الجديدة، في محاولة منه لفرض الأمر الواقع أمام «جبهة محمود عزت»، ولتظهير قدرته على إنجاز ما عجز عزت نفسه على إنجازه من نجاحات إدارية.
لكن، وفقاً لشهادات قيادات من الصف الثاني والثالث المنتشرة بين القاهرة والدوحة والرياض وإسطنبول، لن يستطيع «مكتب الأزمة» عبور الصراع الحالي إلا خاسراً في مواجهة عزت. ويجري ترجيح ذلك نظراً إلى معرفة قدرة الأخير على إحكام قبضته على العمود الفقري للجماعة في ظل ولاء المئات من القيادات والمتنفذين داخلها له ولفريقه.
ووفقاً لما يقارب الـ30 شهادة لأسر المعتقلين من «الإخوان» ومن مؤيديهم ومن بعض عناصر الجماعات الإسلامية الأخرى، ولشهادات محاميهم، فلا حقيقة لوجود «رغبة لدى المعتقلين في الاستمرار في الصراع مع السلطة كما تبرر جبهة مكتب الأزمة». وما يبحث عنه المعتقلون الآن، وفقاً لتلك الشهادات، يتمثل في غلق ملفاتهم، والخروج من الاعتقال والمطاردة.

التداعيات... إقليمية
ثمة أدوار تؤديها دول كالسعودية (منذ وصول سلمان إلى الحكم)، وأطراف مثل «حركة النهضة» في تونس، كي يقبل «الإخوان» التصالح مع النظام. ومع تصاعد الأزمة أخيراً بين «الإخوان» في الأردن والسلطات هناك، يبدو أن وجهة القرار الإقليمي قد باتت واضحة.
ولا ريب في أن دخول «الإخوان»، وبالأخص «جناح محمود عزت» في أتون «مصالحة» ونجاحه في ذلك، سوف يلقي ظلاله على وضعية «الإخوان» في الإقليم ككل، لا في القاهرة فقط؛ بمعنى أن مساحة تشابكاتهم السياسية في القاهرة ستقل بطبيعة الحال، وقد يتلاشي دورهم الفعال فلسطينياً، ما يترجم سياسياً برضوخ «حماس» لضرورة تحقيق مصالحة فعلية مع «فتح» ومشاركتها في إدارة قطاع غزة (ملف رئيسي بالنسبة إلى الحكم المصري). وسينعكس ذلك على هوية «الإخوان» في الأردن وفي دول الخليج.
ويبدو أنّ محمود عزت يدرك ذلك جيداً، لكن تبقى عينه في المقام الأول على «التنظيم الأم» للحفاظ عليه من براثن الانشقاق والانهيار، آخذاً في الوقت نفسه بعين الاعتبار أنّ ملف الجماعة بات على طاولات المفاوضات الإقليمية، ولن يحسم بنتيجة صراع داخلي.