تكفي جولة رصد سريعة لإدخالكم في دوّامة السؤال عن تجربة ما يقارب 150 شخصا هم فلسطينيون من أراضي الـ 48، أدينوا أو اشتبهوا فيهم بالانتماء إلى تنظيمي «داعش» و«النصرة»، ولكن لا إحصائية رسمية تضبط هذا الواقع.

لماذا قد يفكر أحد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة في المغامرة والسفر إلى سوريا أو العراق والالتحاق بـ«داعش» أو «النصرة»؟ ولماذا غاب عن أذهان هؤلاء العدو الحقيقي الواقف في مواجهة يومية معهم، بل يكفي تحرك واحد في حافلة أو قطار أو شارع، وحتى في العمل والمؤسسات الرسميّة، ليجد هذا العدو جاثما على الأرض والكرامة؟
يوم أمس، فرضت «المحكمة المركزية الإسرائيلية» في حيفا المحتلة، السجن الفعلي لمدة خمسة أعوام على أمين صنوبر (24 عاماً) من قرية كفر ياسيف (الجليل الأعلى)، بعد إدانته بالانضمام إلى «النصرة»، إضافة إلى السجن لعام مع وقف التنفيذ ودفع غرامة تقدر بتسعة آلاف دولار أميركي.
وصنوبر كان قد أدين في العشرين من كانون الثاني الماضي بالانضمام إلى «النصرة»، وشملت لائحة الاتهام المقدمة ضده مخالفات عدّة أبرزها دخول سوريا بصورة غير قانونية عام 2014، والمكوث هناك نحو ستة شهور، والمشاركة في تدريبات عسكرية ممنوعة.
المحامي الفلسطيني (ف.س)، (لا يريد الكشف عن هويته لأن أقواله قد تضر المتهمين)، قال في حديث مع «الأخبار»، إنه «بات واضحاً أن الأحكام التي تلقى على هؤلاء المنتمين إلى تنظيمات إرهابية في سوريا مخففة، وخصوصاً إذا ما قورنت بالأحكام التي تصدر في التهم نفسها عندما يكون التنظيم فلسطينيا أو عندما يتعلق الموضوع بحزب الله». وشرح المحامي أن «الحكم هزلي ومضحك، لأن الحديث ليس عن الانتماء إلى تنظيم بل عن تدريب وعمليات عسكرية. هذه تهم كبيرة عادة في نظر إسرائيل وقضائها»، فضلا عن أن تلك التنظيمات مصنفة على أنها إرهابية بالإطار الدولي.

الأحكام مخففة إذا قورنت بما يتعلّق بحزب الله وبفصائل فلسطينية

بالعودة إلى صنوبر، خرج الأخير من فلسطين المحتلة في يوليو 2014 متجهاً إلى تركيا، ومنها إلى سوريا بمساعدة مهربين. وبعد وقت قصير، وصل إلى معسكر تدريب عام، وهناك انضم إلى «كتائب أنصار الشام» التابعة لـ«الجبهة الإسلامية». وعقب أسبوعين في معسكر التدريب، انضم في آب من العام نفسه إلى «النصرة»، ليكون حارساً في أحد معسكراتها.
في لائحة الاتهام، تدرب صنوبر على إعداد القنابل والعبوات الناسفة، وإلقاء القنابل اليدوية، واستخدام الـ«آر بي جي»، والمشاركة في الدروس الدينية، كما فرض التنظيم عليه، في إحدى المرات، عقوبة الانضباط وسجنه داخل مغارة لمدة خمس أيام كعقاب. وفي مطلع كانون الثاني 2015 عاد إلى إسرائيل عن طريق تركيا، وهبط في مطار اللد، حيث اعتقل.
اعترف الشاب خلال التحقيق معه أن مكث في سوريا بهدف الانضمام إلى المنظمات التي تحارب النظام، لكن القاضي الإسرائيلي أفراهم إلياكيم، أكّد أنه «لم تكن لدى صنوبر نيات للمس في أمن إسرائيل، لأن عملية صنوبر ليست مغامرة، وإنما هي سلوك لمن يسعى كي يكون جزءاً من تنظيم إرهابي، بل حتى أن يموت شهيداً في سبيل الجهاد الذي اختار أن يشارك فيه».
قصة صنوبر هي واحدة من بين العشرات وربما المئات من الفلسطينيين (والعرب)، على اختلاف أماكن وجودهم، من الذين حاولوا الانضمام إلى «داعش» أو «النصرة». واللافت في جميع القضايا هو طغيان الانتماء المذهبي (السُّني تحديداً) على هوية هؤلاء، ما أفقدهم الرؤية إلى الصراع على حقيقته، وخاصة بالحديث عن احتلال فلسطين.
واللافت في غالبية هذه الحالات المتصلة بفلسطينيي الـ48، أن القضاء الإسرائيلي دأب على التساهل معهم عبر عقوبات مخففة مقارنة بمن أدين بالانتماء إلى تنظيمات فلسطينية أو حزب الله، كأنه يشرّع الأبواب أمامهم للبدء في مغامرات كهذه.
مؤخراً، وبعد وقت قصير على تفجيرات باريس وبروكسل، قررت «المخابرات الإسرائيلية» استثمار ما حدث للترويج أن «الإرهاب الذي يضرب عمق القارة العجوز»، هو نفسه الذي يضرب عمق إسرائيل، التي تتساهل مع هذا الإرهاب مقارنة بـ «الإرهاب الفلسطيني». في ذلك الوقت، انفجرت قضية ثمانية شبان جميعهم من قرية جلجولية (المثلث- أراضي الـ48) متهمين بالانتماء للتنظيم، هم: جهاد حجلة (26 عاماً) وشقيقاه إيهاب (22 عاماً) وأنس (19 عاماً)، ومحمد عودة (28 عاماً) ومحمد سعادة (22 عاماً) وعدنان عيناش (21 عاما)، فيما تسلل نضال صالح (26 عاماً) بواسطة المظلة إلى سوريا في الرابع والعشرين من تشرين الأول الماضي. أمّا الثامن، فلم تعرف هويته بسبب تكتم «الشاباك» عليها، علماً أنه يسكن خارج إسرائيل منذ سنوات عدّة.
ذكرت لائحة الاتهام في هذه القضية أن المتهمين اعتادوا الاجتماع في شقة سكنية بقرية جلجولية، للتشاور والتخطيط من أجل الالتحاق بـ«داعش» في سوريا ومحاربة النظام السوري وحزب الله، إضافة إلى أنهم اعترفوا بأنهم تلقوا إرشاداً حول خطة لتفجير مساجد للشيعة (من دون تحديد مكانها). وفي تفاصل اللائحة أن بعض أفراد الخلية خططوا للتسلل إلى سوريا عن طريق المظلات، وتدربوا على ذلك في منطقة ما في فلسطين المحتلة، تحديداً في مكان مُخصص لتعليم قيادة المظلات، فيما خططت البقية للتسلل عن طريق الحدود مع تركيا.
وفي الحادي عشر من تشرين الأول الماضي، توجه محمد عودة وأنس حجلة إلى الحدود السورية ــ التركية، وقابلا مندوباً عن «داعش» نسقا معه سابقاً عبر «فايسبوك»، لكنهما عادا إلى فلسطين المحتلة بعد أسبوعين من دخول تركيا. وكانت «المخابرات الإسرائيلية» تعرف انتماءاتهما سابقاً، ولكنها لم تكلف نفسها عناء توقيفهم عند عودتهم كما تدعي «محاربة الإرهاب»، وإنما فعلت ذلك حينما استطاع أحد أفراد الخلية، وهو نضال صالح، التسلل من الجولان المحتل بواسطة المظلة وحده إلى سوريا (حتى هذه اللحظة يمكث هناك دون أي خبر عنه).
في السياق، أشار المحامي علاء تلاوي، المسؤول عن متابعة أحد المتهمين في هذه القضية، إلى أنه «لا يستطيع الخوض في حيثيات الملف»، لكنه «يستطيع القول إن الملف معقد ومركب جداً، وسوف يظهر الوجه الحقيقي للشاباك والموساد والشرطة، لأن الغاية عندهم تبرر الوسيلة».
كذلك استعان المحامي عبد الله عوده، المسؤول عن متابعة ملف عيناش، بقرارات سابقة شبيهة في هذا الملف، ليحصل على استئناف من المحكمة الإسرائيلية. وخلال جلسات الاستئناف، استطاع أن يقنع هيئة المحكمة بأن موكله «ندم على التهم التي وجهت إليه»، وبذلك اكتفت المحكمة، بالإفراج عنه وحبسه المنزلي!
لم يكن ذلك غريباً، ففي الوقت الذي تدعي فيه إسرائيل أن «داعش» و«النصرة» يشكلان خطراً على حدودها، تبقي لهما أسرّة شاغرة في مستشفياتها لاستقبال جرحاهما. أمّا آخر شهور العسل مع «مهدديها»، فتلخصت في حلقة حصل عليها ابن الجولان السوري المحتل، صدقي المقت، الذي استلم «فيديو» سربه أحد الجنود الإسرائيليين (من أبناء الطائفة الدرزية الذين تفرض عليهم الخدمة العسكرية)، «تضمّن مشاهد لتدريب جبهة النصرة داخل أحد معسكرات الجيش الإسرائيلي في الجولان»، كما أكّد مصدر مطلع على الموضوع لـ«الأخبار».