في وقت يتسلّل فيه مئات الجنود الأميركيين إلى مراكزهم في «أرض الحرمين»، نجح الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، في جمع زعماء البلدان العربية والإسلامية وممثليهم، في مدينة مكّة المكرّمة، في قمم ثلاث، إسلامية عادية تعقد اليوم، وعربية وخليجية طارئتين عقدتا أمس. وإذ يَنصبّ اهتمام المراقبين على إحصاء من غاب وحضر من زعماء الصفّ الأوّل كمؤشّر على اصطفافات المحاور الإقليمية، فإن أبرز الغائبين سيكون الرئيس التركي وأمير قطر وسلطان عمان والملك المغربي، فضلاً عن الرئيس الإيراني الذي تخيّم قضية بلاده على قمم مكّة. رغم ذلك، تسجّل الرياض نجاحاً شكلياً، وهو أساس رسالتها من وراء التحشيد اليوم، عبر إظهار أكبر قدر من التعاطف معها بوجه «الاستهداف». على الصعيد العملي، وإن كان رفع مستوى الحضور القطري مؤشراً «إيجابياً» بعد عامين على الأزمة الخليجية، فإنه لم يَرْق بعد إلى مستوى يؤثّر في وضع الشقاق الخليجي. كذلك، فإن التحشيد الذي تريد منه الرياض، بالتنسيق مع واشنطن، أن يرقى إلى مستوى إنشاء تحالف عسكري ضد طهران يعرف إعلامياً بـ«الناتو العربي»، لا يزال يعاني من غياب الاستجابة الجدّية له، لا سيما من قِبَل القاهرة.

بالعودة إلى الدعوات التي كانت وجّهتها الرياض للزعماء الخليجيين والعرب لعقد قمتين استثنائيتين، فإنها أرادت ــــ باستثمار تواجدهم أساساً في قمّة «منظمة التعاون الإسلامي» العادية ــــ تظهير مشهد تحشيد موازٍ برمزية الزمان والمكان (الأراضي المقدسة وفي شهر رمضان) حصلت عليه، بوجه الهجوم اليمني الذي طاول منشآتها النفطية أخيراً، واتهمت طهران بتدبيره على وقع التوتر الأميركي ـــ الإيراني. وفي ذلك تكرار غير مجدٍ للصراخ الذي تواصله منذ أن أوقعت نفسها في وحول الحرب ضد اليمن، وإنشائها تحالفاً سرعان ما أخذ عقده بالانفراط. حتى أن التفاعل العربي والإسلامي خلال الأيام الماضية مع الدعوات السعودية بدا رتيباً ومسايراً، ويشي بتراجع ضمني كبير لصورة المملكة وتأثيرها، لم تسعفه المزاعم المفضوحة حول استهداف مدينة مكّة بصاروخ يمني عشية القمّة بهدف رفع مستوى التعاطف.

الملك سلمان: تطوير إيران لقدراتها النووية وصواريخها الباليستية يهدّد أمن المنطقة والعالم


قبل كل ما تقدّم، يبقى أن القمم الثلاث، التي لا جدوى من انتظار بياناتها لِمَن تابع تصريحات مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، أثناء زيارته الخليجية إلى الإمارات قبل يومين، أو مواقف رئيسه دونالد تارمب، تحمل توقيتاً أميركياً بامتياز على خطّين متلازمين: تسعير العداء لإيران، وتكثيف الاصطفاف ضدّها إلى جانب الولايات المتحدة، والثاني تأمين الغطاء الخليجي والعربي والإسلامي لمشروع تصفية القضية الفلسطينية المعروف بـ«صفقة القرن» والذي بات انطلاق جدول أعماله على قدم وساق.
وفي تكرار للمواقف الأميركية هذه الأيام، قال الملك السعودي، في اجتماع القمّة الخليجية أمس، إن «تطوير إيران لقدراتها النووية وصواريخها الباليستية يهدد أمن المنطقة والعالم»، معتبراً أن أفعال إيران تهدّد الملاحة العالمية وإمدادات النفط العالمية، وهي «تعدٍّ سافر على مواثيق ومبادئ الأمم المتحدة». المواقف السعودية التصعيدية كان دشّنها وزير الخارجية، إبراهيم العسّاف، خلال اجتماع مع نظرائه في جدّة عشية القمم الثلاث، بالدعوة إلى التصدّي للهجمات الإيرانية «بكل قوة وحزم». وهو ما ردّت عليه الخارجية الإيرانية بالقول إنها «ان الجمهورية الإسلامية إذ تنفي الاتهامات الموجهة من وزير الخارجية السعودي... تأمل بوصفها إحدى الدول المؤسسة لمنظمة التعاون الإسلامي أن يسهم هذا الاجتماع الذي يعقد خلال شهر رمضان المبارك، في تعزيز الوحدة بين الأمة الإسلامية، وأن يركز على القضية الرئيسة وذات الأولوية في العالم الإسلامي أي القضية الفلسطينية».
في المواقف السعودية، ردّ غير مباشر على المبادرة التي أطلقتها وزارةالخارجية الإيرانية هذا الأسبوع عبر الدعوة إلى حوار خليجي ــــ إيراني، وتوقيع معاهدة «عدم اعتداء»، لتؤكّد السعودية أن دورها لن يكون في خندق وسطي من العدوان الأميركي. واللافت أن دور الوساطة والدعوة إلى التهدئة الذي يفترض أن تقوم به الدول العربية على وقع التوتر الإقليمي، تتولّاه كل اليابان وروسيا. وبحسب مسؤول ياباني، فإن مسعى بلاده للعب دور لتخفيف حدة التوتر الإيراني ـــ الأميركي حظي بدعم روسي، بعد اجتماع لوزراء الخارجية والدفاع لكلّ من موسكو وطوكيو.