لم تغيّر قطر من جوهر سياستها، ولا سيما في ما يتصل بالعلاقة مع «الإخوان المسلمين»، منذ أواخر التسعينيات وصولاً إلى عهد الرئيس دونالد ترامب. لكن «الإخوان» اليوم، بعد المخاض الطويل الذي مروا به، لم يعودوا في نظر الدوحة سوى جماعة فاعلة في المنطقة، تحافظ على علاقاتها معها لاستثمارها في موقعها بالنسبة إلى الولايات المتحدة، شأنها شأن بقية الجماعات الإسلامية، التي تسعى إلى تجديد الانفتاح عليها. هو انتقال من سياسة قائمة على خلفية أيديولوجية، إلى خلفية سياسية تجعلها النموذج الخليجي الأقرب لواشنطن، ليس عن طريق المشاريع الاقتصادية وصفقات الأسلحة كما تفعل الرياض، بل عن طريق «القوة الناعمة» الديبلوماسية والإعلامية، التي سمحت الأزمة الخليجية للإمارة الصغيرة بإظهارها.

كان فوز ترامب محطة ثانية في السياسة الخارجية لقطر، بعد أولى شكلت «فرصة ضائعة» لها، وهي الانتفاضات العربية عام 2011. منذ ذلك الحين، دخل دور الدوحة الإقليمي في مرحلة تخبط، تمثل بتمدد سريع لحقه انحسار مماثل، لم تعد على إثره لاعباً ثانوياً تحت عباءة الرياض، على رغم أنها ابتُليت بملفين خاسرين في عهد باراك أوباما، في مصر حيث دعمت «الإخوان» للصعود إلى السلطة، وفي سوريا حيث دعمت جماعات «جهادية» مثل «جبهة النصرة». لكن في نظر سيد البيت الأبيض الجديد، دونالد ترامب، باتت قطر داعمة لـ«الإرهاب»، وأضحى من الضروري إعادتها إلى فلكها الخليجي، في مشروع بدأت مفاعيله في الجولة الخارجية الأولى له كرئيس، حيث عُقدت ثلاث قمم على شرفه في الرياض، دعا خلالها الدوحة إلى البدء بـ«تصحيح سياستها»، والتوقف «فوراً» عن «تمويل الإرهاب»، بعدما أشار قادة الخليج بإصبعهم إليها.

تبدو الدوحة المحطة الاستثنائية للعب دور في أي مفاوضات محتملة بخصوص إيران


هذا التوجه الأميركي ضد قطر لم يدم طويلاً. لعل «تهوّر» الطرف الآخر، وقدرة الإمارة الخليجية على التكيف من أهم الأسباب. فالأزمة التي أعقبت قمم الرياض بأيام، كانت تتجه نحو عمل عسكري من شأنه تخسير واشنطن القاعدة العسكرية الأميركية الأكبر في الشرق الأوسط، وربما الدخول في حرب ذات طابع «قبلي» لا شك في الولايات المتحدة ستكون المتضرر الأول منها، كونها بين حلفائها التقليديين. على ضوء ذلك، انتقل ترامب في أقلّ شهر من اعتبار أن «عزل قطر يمكن أن يكون بداية النهاية لرعب الإرهاب» (6 حزيران/ يونيو 2017)، إلى التشديد على أن «وحدة منطقة الخليج مهمة لهزيمة الإرهاب»، عقب اتصالات أجراها على حدة مع كل من أمير قطر تميم بن حمد، والملك السعودي سلمان، وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد (2 تموز/ يوليو 2017). وقد أراد لهذه المساعي أن تُتوّج بعقد اجتماع في كامب ديفيد لأطراف الأزمة من أجل إيجاد نهاية لها، وهو ما مهّد له بتنسيق اتصال هاتفي مباشر بين تميم وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، لكن سبل الحل ظلت مقطوعة.
«الفرملة» الأميركية لمشروع معاقبة قطر تعود، في جزء منها، إلى رؤية الولايات المتحدة عموماً لطبيعة الإمارة الصغيرة نفسها. فالنقاط التي تراها دول «الرباعي العربي» محط إدانة للدوحة، كالعلاقات الدبلوماسية مع إيران والعلاقات العسكرية مع تركيا وقناة «الجزيرة» والصلات بالجماعات الإسلامية، هي عملياً بالنسبة إلى واشنطن دليل «قوة ناعمة» تجعل قطر قادرة على لعب دور مهم في إدارة الصراعات في المنطقة، من سبيل الاستعانة بمكتب ارتباط حركة «طالبان» في الدوحة لإطلاق الحوار الأفغاني، والاستفادة من علاقات قطر بـ«حماس» لتسهيل تمرير «صفقة القرن»، على ضوء مساعدتها في المحادثات غير المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين طوال السنوات الماضية. واليوم، في ضوء التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، تبدو الدوحة المحطة الاستثنائية للعب دور في أي مفاوضات محتملة، وهو ما دعت إليه طهران أخيراً على لسان رئیس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشة. أما قناة «الجزيرة»، فهي تمثل بالنسبة إلى الأميركيين سلاح «قوة ناعمة» أيضاً، وهو ما لمح إليه جاريد كوشنر قبل حضوره «ورشة المنامة» أواخر الشهر الماضي، حيث قال إنه «سعيد جداً بأنه يجري مقابلة على قناة الجزيرةِ لأنها تمكّنه من إيصال صوته إلى العالم العربي».
بالنسبة إلى واشنطن، إذا كانت الرياض وأبو ظبي تمثلان حالة المدّ في سياساتها، فإن قطر هي حالة الجزر التي يراد من خلالها خفض منسوب العدائية في الوقت المناسب. هذا ما تسعى الدوحة إلى تكريسه منذ سنوات، وقد سمحت الأزمة الخليجية والموقف الأميركي المضطرب منها، للقطريين، بالانطلاق نحو تفعيل هذه الدينامية الجديدة في المنطقة، في اليمن والعراق ولبنان وفي دول أفريقيا، في سياسة عبّر عنها تميم بن حمد بالقول: «سأكون صادقاً معكم، يجب علينا أن لا نعتمد على أميركا؛ فعلى الدول العربية أن تقوم بعملها، ثم نسأل الأميركيين ــــ إن احتجنا إلى المساعدة ــــ أن يساعدونا على حل مشاكلنا».